فإذا ثبت ، بما قدمناه ، حاجة دلالة الكلام ، وما يجرى مجراه ، إلى المواضعة وجب حاجته إلى القصد المطابق لها ؛ لعلمنا بأنه قد يحصل من غير قصد فلا يدل ، ومع القصد فيدل ، ويفيد . فكما أن المواضعة لا بدّ منها ، فكذلك المقاصد التي بها يصير الكلام مطابقا للمواضعة . فلذلك قلنا : إنه يدل بالمواضعة والقصد .
فإن قال : فيجب ، في دلالة الكلام على كل ما يدل عليه ، أن يشترطوا ذلك .
قيل له : متى كان يدل على هذا الوجه ، فلا بد من هذا الشرط ، إلا أن يدل كدلالة الفعل على أنّ فاعله قادر ، إلى ما شاكل ذلك ؛ فنستغنى عن هذا الشرط .
فإن قال : فما قولكم في دلالة الخطاب على كونه تعالى مريدا ، أهو من القسم الأول ، أو من الثاني ؟
قيل له : بل يدل ، كدلالة الكلام ، على قدرة فاعله ؛ لأنه ، لوقوعه على وجه مخصوص ، يدل على كونه مريدا على وجه ، لولا كونه مريدا لما حصل على ذلك الوجه .
فهو كدلالة المحكم من الكلام على أن فاعله عالم .
فإن قال : إن ذلك ينقض ما قدمتموه من أن دلالة الكلام مفتقرة « 1 » إلى المواضعة فقط ؛ لأنكم ، إن قلتم إنه يدل بالأمرين ، وجب كونه دالا على الأمر الّذي جعلناه شرطا في كونه دالّا ، وذلك تناقض .
قيل له : إن الكلام في الشاهد « 2 » صحّ أنه يدل بالمواضعة والقصد ، ولنا طريق إلى معرفة الكلام بالإدراك / والمواضعة بالأخبار ، وما يجرى مجراها ، والقصد بالاضطرار .
فصح ، عند ذلك ، أن يعرف به الغرض ، ويصير كالدلالة في الشاهد . ولا يصح أن نعرف قصده تعالى باضطرار ، لتعذر ذلك مع التكليف . فوجب أن نعرفه بالاستدلال .
وطريق الاستدلال في ذلك ، أن نعلم أنه تعالى لا يخاطب بالكلام ، الّذي تقرر فيه بيننا ضرب من المواضعة ، إلا وذلك مراده . فيصير علمنا المتقدم بذلك بمنزلة الاضطرار إلى القصد ،
هامش
( 1 ) في « ا » ، « ب » : « مفتقر » .
( 2 ) يقصد بالكلام في الشاهد كلام الإنسان . وهنا يقابل بين الشاهد والغائب .