ونحن نعود إلى الكلام في المعجزات ، فنقول : إنه تعالى إذا أراد أن يدل على أنّ من حمّله الرسالة صادق فيما يدعيه من النبوة ، وفي سائر ما يؤديه ، فمعلوم أنه لا يجوز أن يدل على ذلك بمثل دلالة الفعل على أن فاعله قادر ؛ لأن ذلك لا يتأتى في حال الغير ، ولا يصح أيضا أن يدل عليه بمثل هذا الوجه الّذي يعلم به أنه لا بد من أن يفعل الواجب ؛ ولا بدّ ، في فعله ، من أن يكون حسنا ووجوه القبح عنه منتفية « 1 » ؛ لأن ذلك إنما يتم في مقدوراته المتعلقة بدواعيه في أن يفعلها ، وألا يفعلها ، وذلك لا يتأتى في حال الغير ؛ فلا بد من أن يدل على ذلك بالوجه الثالث ، وهو ما طريقه المواضعة ، فيصير ، بما يظهر من الرسول من التماس المعجز ، عند ادعاء النبوة ، بمنزلة أن يكون ، جل وعز ، واضعهم على أنه ، إذا فعل المعجز ، فإنما « 2 » يريد تصديق المدعى ؛ ولو لم يحل هذا المحل ، لم يكن ليدل .
وهذا يبيّن أن الدلالة من قبله تعالى على النبوات / لا تكون إلا المعجزات به « 3 » ولهذه الجملة ، قلنا : إنه تعالى ، إذا أراد أن يحمّل الرسول الأول الرسالة ، فلا بد من أن يفعل الخطاب على وجه يكون معجزا ، أو يقترن به المعجز ليعلم به أنه حادث من قبله . ولا يجوز منه تعالى أن يدل على الأحكام إلا بهذين الوجهين : إما بخطابه الّذي يكون معجزا أو يقترن به المعجز ، أو بقول الرسل إذا دل على صدقهم بالمعجز .
ومتى دل على صدقهم بغير هذا الوجه فذلك تأكيد يجرى مجرى دلالة القرآن « 4 » على التوحيد والعدل ، في أن ذلك يعدّ في « 5 » التأكيد ؛ لأنه لا بد من تقدم المعرفة بذلك من جهة أدلة العقول . فكذلك القول في المعجزات ، وما يرد بعدها من التصديق بالخطاب .
فإن قال : الّذي قدّمتموه ، من أنه لا يجوز أن يدل تعالى على نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات ، ينقض إلزامكم المجبّرة تجويز إظهار المعجزات على الكذابين .
هامش
( 1 ) في « ب » متيقنة . وهذا مضاد تماما للمعنى المقصود .
( 2 ) في « ب » : « وإنما »
( 3 ) هكذا في كل من « ا » ، « ب » ، ولعل الصواب إلا بالمعجزات
( 4 ) هذه الكلمة مكررة في « ب » .
( 5 ) هكذا في « ا » ، « ب »