لا نحتاج في نفى القبيح عنه ] « 1 » إلى مواضعة . وقد نحتاج إليها في الوجه الثالث ؛ لأن ، مع فقدها ، لا يدل ؛ وإنما يدل ، مع حصولها ، على وجه مخصوص .
والوجه الثالث هو الأصل في دلالة السمع ؛ لأنه « 2 » لا بدّ من مواضعة ، ولا بد معها من القصد إلى ما يطابق المواضعة ، من حيث نعلم أن المواضعة تدخل الكلام في أن يكون دليلا ؛ لأنه لا يدل لشيء من أحواله . يبين ذلك أن دلالته على ما يدل عليه كدلالة الحركات : فكما أنها لا تدل ، مع فقد المواضعة ، وإذا حصلت المواضعة فيها ، على طرائق مخصوصة ، دلت وأفادت ؛ فكذلك « 3 » القول في الكلام . وإنما يفارق الكلام الحركات ، من حيث تتسع وجوهه ، ووجوه وقوعه ، لاتّساع الحروف المتميزة بعضها من بعض ، وكثرتها ، وصحة التقديم والتأخير فيها ؛ فيختلف فيها ، لذلك النظام ؛ ولصحة الاختلاف في مواضع الكلمات منها « 4 » بالتقديم والتأخير ، والانفراد والاجتماع ، والخلو مما يتخلل وحصول ما يتخللها ، ولتعاقب الحركات المختلفة عليها . وكل ذلك تميزه « 5 » الكلام من سائر ما يصح المواضعة عليه . وكذلك توجه غرض العقلاء « 6 » إلى الكلام ، فيما يتواضعون عليه ، ليصح منهم تعريف الأغراض ، دون سائر الأفعال . ولذلك نرى من يتعذر عليه الكلام يدعوه ذلك إلى المواضعة على الإشارات . ولو كان الكلام ممكنا له لما عدل عنه إلى غيره ، للمزيّة التي له في الوجه الّذي ذكرناه .
ولهذه الجملة ، يفهم أحدنا مراد العربىّ بالعربية ، إذا وقف على طريقة المواضعة فيها ؛ ومتى لم يعرف ذلك ، وإن عرف سائر اللغات ، لم يعرف المراد .
/ وإنما كان كذلك ؛ لأن المواضعة كالمواطأة في الأفعال . فإذا كانت تعين « 7 » الحكم في الأفعال ، عند وجودها ، فكذلك القول في المواضعة . يبيّن ذلك أن المتكلم ،
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفتين سقط من « ب »
( 2 ) سقطت من ب .
( 3 ) في « ب » : « وكذلك »
( 4 ) في « ب » « فيها » .
( 5 ) هكذا في كل من « ا » ، « ب » ولعلها يميز
( 6 ) في « ا » ، و « ب » : « العقلاء » .
( 7 ) في « ب » : « تغير » .