بما « 1 » وقعت المواضعة عليه في الحكم ، كأنّه قد كلم غيره بما واطأه عليه من قبل . فهو بمنزلة أن يقول له : « إذا قلت لك : زيد منطلق ، فإنما أريد بالكلمة الأولى هذا الشخص ، وبالثانية هذا الفعل ؛ فيكون ذلك تعريفا وإخبارا متى تكلمت بذلك .
فإن زدت عليه ، فقلت : هل زيد منطلق ؟ فهو التماس التعريف من قبلك . فإن قلت :
أليس زيد منطلقا ؟ تغيّر التعريف والتعرف » : ثم ، على هذا الوجه ، لا بدّ من تقدير المواضعة في كل كلام مفيد . فإذا صح ذلك وجبت الحاجة إلى المواضعة في كون الكلام دليلا من الوجه الّذي ذكرناه .
فإن حصل معنى المواضعة ، من غير طريقة المواطأة والمخاطبة ، حلّ محل المواطأة في هذا الباب . ولذلك نجد أحدنا يستدعى من غلامه سقى الماء « 2 » بالإشارة ، على حد ما نستدعيه بالعبارة ، لعادة تقدمت ، يعرف بها أن الإشارة تحلّ محلّ العبارة ، التي تقدمت معرفة فائدتها . وعلى هذا الوجه ، نجعل فعل الرسول عليه السلام دلالة على الأحكام ؛ لأنه يحلّ ، لمقدمات تقدّمت ، محل العبارة التي تقدمت معرفتها ، ومعرفة فائدتها في اللغة .
وعلى هذا الوجه ، تنزل المعجزات منزلة التصديق بالقول . فنقول : إذا صح ، لو صدقه تعالى ، عند ادعائه النبوة والرسالة ، كونه نبيّا صادقا ؛ فكذلك إذا فعل ما يحل هذا المحل من المعجزات ؛ لأن مجموع قوله : « اللهم إن كنت صادقا فيما ادعيت من الرسالة فاقلب العصا حية » ، ثم وقوع ما سأل عنه مطابقا لمسألته ، بمنزلة المواضعة المتقدمة على التصديق ؛ بل ذلك أقوى في بابه ؛ لأن من حق التصديق بالقول أن يصح فيه ، والحال هذه ، المجاز والاستعارة لأمر يرجع إلى ذات الكلام ، وصحة هذه الطريقة فيه « 3 » . ولا يتأتى ذلك في الفعل المخصوص إذا التمسه الرسول من المرسل ؛ ليظهر به حاله للمرسل إليه . ونحن نتقصى ذلك من بعد .
هامش
( 1 ) في « ا » ، « ب » : « لما » ، ونرجح نحن « بما » .
( 2 ) في « ب » : « الما » .
( 3 ) سقطت هذه الكلمة من « ب »