قيل له : إنما نوجب ذلك عليهم ، من حيث نقضوا وجه دلالتها على النبوات ، فلزمهم ألا يكون بأن يدل على صدقهم أولى من أن يدل على كذبهم ؛ بل يلزمهم ألا يكون بأن تكون دلالة أولى من ألا تكون دلالة أصلا . وقد بينا ذلك في المخلوق .
فإن قال : إن الّذي نقضتم الكلام فيه ، من أنها هي الدالة من جهته تعالى على النبوات دون غيرها ، كالفرع على أنّ لها حظا في الدلالة على النبوات ، وعلى أنها تدل على ذلك ، فبينوا ذلك أولا ، ليبطل ما تدعيه البراهمة ، من أنّ بعثة الأنبياء لا تصح من حيث لا يمكن إثبات دليل على نبوتهم في مقدوره تعالى ؛ وينفون كون المعجز دالّا .
ويقولون : لو كان دالا ، إذا تضمن نقض العادة ، لوجب أن يدل ، وإن كان معتادا ؛ لأن دلالة العقل لا تختلف بالعادة ونفيها .
ويقولون : لو كان دالّا على النبوة ، لوجب ألا يصح فعلها ، ولا نبوة ، كما أن الفعل لما دل على كونه قادرا ، لم يصح وقوعه ممن ليس بقادر .
ويقولون : لو كان دالّا لما وقع إلا وهو دال ، فكان يدل ، عند زوال التكليف ، ظهور نقض العادات .
ويقولون : لو كان دالا ؛ لأنه نقض عادة ، لوجب ، قبل جرى العادة في الأمور المعتادة إذا حدثت ، أن تكون دالة . وفي هذا إيجاب كون جميع العادات معجزا في الابتداء ، وإن لم تكن عادة سالفة ، وهذا متناقض
ويقولون : لو كان دالا على صدقه ، بأن يتعلق به ، لتعلق الفعل بحال الفاعل ؛ وقد علمنا أن ذلك لا يتأتى في فعل قادرين ، وقد يتأتى إذا كان القادر واحدا .
ويقولون : كيف يدل المعجز ، مع تجويز القول بأنه تعالى يفعله ، عند ادعاء الرسول النبوة لضرب من المصلحة ؛ كما يفعل سائر المصالح ، ويشدّد بذلك المحنة
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 165
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٦٥