ويصحّ ، عند ذلك ، أن نعرف به مراده . وذلك بمنزله ما نقول في أنّ تصرف العبد يدل ، عندنا ، على كونه قادرا ، لعلمه « 1 » بوقوعه بحسب أحواله . فإذا علمنا حادثا ، ولم نعلم تعلّقه بالواحد منا ، وعلمنا أن ذلك لا يصح فيه ، حكمنا بتعلقه بقادر مخالف لنا ، واستدللنا به على أنه قادر . فالاستدلال « 2 » في الغائب والشاهد يقع بالفعل على حد واحد ، وإن كانت طريقة العلم بالتعلق تختلف فكذلك القول فيما ذكرناه من الكلام .
فإن قال : فيجب أن يعرفوا فيه تعالى أنه يريد ما يوجده من الكلام والخطاب ، قبل أن يعرفوا الخطاب واقعا منه ، وذلك يمنع من الاستدلال به على أنه مريد .
قيل له متى علم « 3 » المستدل أنه تعالى يصح منه الخطاب على الوجوه المعقولة في المواضعة علم أنه يصح أن يريد ، كما أنه ، إذا علم « 3 » أنه يصح منه تعالى أن يثيب ويعاقب ، علم « 4 » أنه يصح أن يريد . لكنه ، قبل أن يقع الخطاب منه ، قد تلتبس عليه الحال في ذلك ؛ فيجوز ألا يصح ذلك منه ، أو يجوز ألا يصح ذلك منه لوجه آخر سوى كونه مريدا . فلذلك ، عند وقوع الخطاب ، تتكامل الدلالة .
ولهذه الجملة ، جوّزنا ، فيمن يعتقد من [ البغداديين أنه تعالى ليس بمريد ، أن يكونوا عالمين بالخطاب ، من حيث كان العلم بالخطاب والوجوه التي يقع عليها « 5 » ] قد يتقدم ، ويترتب في النفس فصحّ منهم ، عند ذلك ، أن يعلموا أنه تعالى قد فعله على الحد الّذي يقع منا من هذا الوجه ، أو من جهة السمع بقول الرسول الّذي يضطر إلى قصده ؛ فيستدلون ، عند ذلك ، به على الاحكام ، وإن جهلوا كونه مريدا ، بأن يعتقدوا أن حاله ، إذا وقعت منه ، بخلاف حاله إذا وقعت منا ؛ وإن كان قد يجوز أن يعتقدوا أن الواقع منا أيضا إنما يتعلق بما هو مراد به بجنسه ، وإن كان لا بدّ من قصد ، كما يقولون في القديم تعالى ، وإن كان عندهم لا يصح عليه القصد . وكل ذلك يبين صحة ما قدمناه .
هامش
( 1 ) هكذا في كل من « ا » ، « ب » ، ولعلها « لعلمنا » .
( 2 ) في « ب » : « بالاستدلال »
( 3 ) في « ب » « علمت »
( 4 ) في « ب » « على »
( 5 ) ما بين المعقوفتين سقط من « ب » .