وإنما شرطنا ، مع الدواعي ، الاختيار ؛ لنبين به التفرقة بين هذا القسم وبين القسم الأول الّذي تكفى فيه الصحة ؛ لأن الفعل قد يقع من القادر ، وإن لم يحصل منه سوى كونه قادرا . ولا يجب في الدواعي ذلك ؛ لأن ، مع الدواعي ، لا بد من الاختيار ، أو ما يجرى مجراه ، وإن كان لولا الدواعي لما حصل ذلك . فقلنا ، من هذا الوجه ، إنه يدل من حيث الدواعي والاختيار .
فإن قال : أليس الملجأ لا بدّ له من أن يفعل ما هو ملجأ إليه ؟ أفتقولون إنّ ذلك يدل على ما يدل عليه من حيث الدواعي ، أو من حيث الصحّة ؟
قيل له : إنما يدل ، من حيث الدواعي ، على ما يدل عليه . لكن الدواعي ، إذا بينت حدّ الإلجاء لم يكن بدّ من أن يختار ذلك الفعل ؛ وإذا لم تبلغ حدّ الإلجاء فإنه إنما يختاره لوجه الحكمة .
ولهذه الجملة قلنا ، في القديم تعالى ، إنه إذا اختار الواجب يستحق المدح ؛ وفصلنا بينه وبين من يختار ما هو ملجأ إليه .
فإن قال : يلزم ، على هذه الطريقة ، ألا تنفوا القبيح إلا عمن عرفتم من حاله في الدواعي ما وصفتموه في القديم تعالى . وقد علمتم أن غيره من القادرين لا يعلم عالما غنيا ، فيجب أن تجوّزوا وقوع القبيح ، على ذلك ، من الأنبياء عليهم السلام .
قيل له : إنا نعلم في القادر منا ، في أمور مخصوصة ، أنه عالم بقبحها ، غنى عنها ، ونعلم مفارقة حاله معها ، في أنه ، والحال هذه ، لا يختارها لغيرها من الأفعال ؛ فنجعل ذلك أصلا فيما نوجبه ، في القديم تعالى ، من أنه لا بد من أن يفعل الواجب وألا يفعل سائر المقبحات . فأما العلم بأن بعض القادرين لا يفعل القبيح ، ولا يصح أن يعلمه إلا بالسمع ، أو ما يجرى مجراه ؛ لأنه إذا دل على ذلك علمنا أنه يخصّ ، مع ما « 1 » لا يفعله ؛ بدواع تقتضى فيه ألا يفعله ؛ لأن الدواعي فيه مختلفة ، لا تجرى على طريقة واحدة ؛ فلا يمكن أن نعلم فيه ما علمناه من حال القديم .
هامش
( 1 ) في « ب » : « معما » .