فإذا كان لو صدّق النبي بالخبر لم يستغن عن معجز ؛ وإذا دل عليه بالمعجز استغنى عن الخبر ، فيجب ألا يدل على نبوة أنبيائه إلا بالمعجزات ، وإن كان قد يدل بالخبر على جهة التأكيد .
ولهذه الجملة قلنا : إنه تعالى ، في النبي الأول ، لا بد من أن يعرّفه الرسالة ، التي يؤديها ، بالخبر ، ويقترن به المعجز ؛ ليعلم الرسول أنه المخبر له . فيصير خبره ، تعالى ، في النبي الأول بمنزلة ادعاء الرسول الرسالة ، وما يقترن به من المعجز ، الدالّ على صحة الخبر ، بمنزلة اقتران المعجز بدعوى الرسول ، في أنه يعلم به صحة ذلك .
ولهذه الجملة قلنا : إن من جوّز على اللّه تعالى الكذب في خبره لم تمكنه معرفة النبوات ؛ لأن المعجزات الدالة على صدقهم لا بد من أن تستند إلى الخبر في أول نبي ، على ما قدّمناه . ولا بدّ ، مع ذلك ، من أن تقع موقع الخبر ، وتدلّ كدلالته .
فإذا كان الخبر على قولهم لا يصح أن يكون دالّا إلا إذا وقع من قبله تعالى ، فكيف يصح ، في المعجزات ، أن تكون دالة على قولهم ؟ فأما الخبر ، إذا وقع معجزا ، فإنه يستغنى عن اقتران معجز به ، كما يستغنى ما يقترن بالمعجز عن معجز ثان ؛ لأنه إذا وقع على وجه يعلم ، لنظمه وخروجه عن العادة ، أن مثله لا يجوز أن يقع من العباد ، ولا جرت العادة بوقوعه ، على هذا الحد ، من قبله جلّ وعزّ - فقد صار وقوعه كذلك كاقتران معجز به . وهذا كما قلنا : إن تسبيح الحصى معجز ؛ لأنه ، وإن كان كلاما ، فقد وقع على حد يعلم أنه لا يجوز وقوعه من العباد ؛ وهو خارج عن العادة . فلو وقع منه تعالى ، على حد الابتداء ، الخبر ، على هذا الوجه ، صار الكلام الواقع من « 1 » الشجرة مستغنيا عن معجز يقترن به ؛ لأن وقوعه كذلك لا يكون إلا من قبله تعالى .
فإن قال : أليس القول بأنه لا يصح أن يدلّ على النبوات إلا بالمعجز يقتضي التعجيز ؟
هامش
( 1 ) في « ت » : « في » .