فإن قال : ألستم قد قلتم : إن بشارة نبي متقدم تدل على نبوة المتأخر ؛ فقد دلّ على نبوته غير المعجز ؟
قيل له : إنا لم ننكر « 1 » أن تدلّ على النبوة ، من جهة غير القديم تعالى ، الأخبار ؛ وإنما قلنا إن الّذي يدل عليها ، من جهته تعالى ، لا يكون إلا المعجزات
فإن قال : أليس قد قدّرتم المعجز تقدير الخبر ؛ فيجب أن يجوز في الخبر ، الواقع من قبله تعالى ، أن يدل على النبوات ؛ لأنه إن لم يدل ، فالمعجز القائم مقامه بأن لا يدل على ذلك أولى ؟
قيل له : إن الخبر الواقع من قبله تعالى ، لو علمناه ، ولا معجز ، لدلّ كدلالة المعجز . لكنه لا سبيل لنا إلى أن نعلمه إلا « 2 » إذا كان نفس الخبر معجزا ، أو يقترن به المعجز ، فتعود الحال ، في ذلك ، إلى أنه لا يجوز أن يدل ، من قبله تعالى على النبوات ، إلا المعجزات . وإنما كان كذلك ، لأن الخبر ، إذا وقع من أحدنا اضطررنا « 3 » إلى مقاصده ؛ فصح أن نعلمه ، واقعا من قبله ودالا على ما يدل عليه ، وإن لم يقترن به معجز ، كما يعلم من تصرفه « 4 » الواقع بحسب أحواله ، / أنه فعله ، وإن لم يقترن به معجز .
وليس الخبر ، إذا وقع من القديم تعالى ، كذلك ؛ لأنا لا نعلم أنه من قبله ، كما [ لا « 5 » ] نعلم في حركات الأجسام ذلك . فلا بد من أمر يقترن به نعلم به أنه من قبله . وذلك الأمر لا بد من أن يكون مما لا يصحّ إلا من جهته ؛ لأنه إن صح من غيره من الفاعلين ، فالحال فيه كالحال في الكلام والحركات . ولا بدّ من أن يكون واقعا لا بالعادة ؛ لأن ما هذه « 6 » حاله لا يعلم أنه فعل لأجل ما قارنه . ولا يكون كذلك إلا وهو معجز على ما نقوله . فقد ثبت أن الخبر من قبله تعالى ، إذا انفرد ، لا يدل ؛ حتى إذا قارنه المعجز دلّ .
هامش
( 1 ) في « ب » : « نتكلم » .
( 2 ) موجودة في هامش « ا » وسقطت من « ب » .
( 3 ) في « ب » : « اضطرارا »
( 4 ) في « ب » : « تصرفها » .
( 5 ) توجد في « ا » ، « ب » والمعنى لا يتضح بها ، ونرجح أنها زائدة .
( 6 ) في « ب » : « هذا » .