في « 1 » كثير من علوم الاستدلال ، إن بعضها يصير أصلا لبعض لأمر يرجع إلى ترتيب الأدلة . وإن كان لو لم يكن مرتبا هذا الترتيب لم يكن يجب ذلك . فكيف وذلك لا يصحّ ؛ لأنه لا شيء يصح أن يدل على بعثة الرسل إلا المعجزات !
فإن قال : ومن أين أنه لا يجوز أن تعرف نبوّة الأنبياء إلا بالمعجزات « 2 » ؟
قيل له : إنا لم نقل إنها لا تعرف ، على كل وجه ، إلا بالمعجز ؛ وإنما نقول :
لا يصح أن تعرف من جهة الاستدلال ، ومع ثبات التكليف ، إلا بالمعجز . فأما مع ارتفاع التكليف ، فقد يجوز أن تعلم النبوة بالعلوم الضرورية ؛ لأنه لا شيء يصح أن يعلم باستدلال إلا ويصح عندنا أن يعلم باضطرار ، على ما بيّناه في باب الأصلح .
فإن قال : ومن أين أن ، من جهة الاستدلال ، لا يصح أن يدل على النبوات إلا المعجزات ؟ أوليس ذلك ينقض قولكم : إن الشيء لا يمتنع أن يعلم بأكثر من دليل واحد ؟
قيل له : إنا نجوّز ذلك ، ولا نوجبه ؛ فلا يمتنع في بعض الأمور ، أن يعلم أنه لا دليل عليه إلا دليل واحد ، وطريقة واحدة . فذلك موقوف على الدليل . وعلى هذا الوجه ، رتبنا العقليات على وجهين ؛ فوجدنا فيها ما تدل عليه أدلة ، وفيها ما لا يدل عليه إلا دليل واحد . وإنما كان يجب ما ذكرته ، لو كانت الأدلة تكون أدلة على المدلول بفعل الفاعل فأما إذا كانت تدل عليه بضرب من التعلق فالذي ذكرناه صحيح .
فإن قال : أليست المعجزات تدل على طريقة المواضعة ؟ وما يحل هذا المحل إنما يدل باختيار الفاعل . فهلّا جاز أن تدل على النبوات أدلة كثيرة ؟
قيل له : ولا يجب ، فيما يدل على / طريقة المواضعة ، أن يصح فيه ما ذكرته ؛ بل لا يمتنع ألّا يجوز أن تدل عليه إلا طريقة واحدة . ألا ترى أن الخبر عن الماضيات هو الّذي يدل ، من جهة المواضعة ، على إثباته أو « 3 » نفيه ؟ ولا يجوز أن تدل عليه إلا هذه الطريقة . ولا معتبر باختلاف اللغات ؛ لأنها ، وإن اختلفت ، فجميعها ، إذا كان خبرا ،
هامش
( 1 ) في « ب » : « في أصول » .
( 2 ) في « ب » : « المعجزات » .
( 3 ) في « ب » : « و » .