قيل له : لو وجب ذلك لوجب ، إذا لم يصح أن يدل على كثير من العقليات إلا بدليل واحد ، أن يقتضي « 1 » التعجيز . فإذا لم يقتض ذلك ، لأمر رجع إلى أن الدليل لا يصح أن يكون إلا كذلك ، فكذلك القول في المعجزات .
فإن قال : إن العقليات تدل على طريقة الوجوب ، وليس كذلك المعجزات ؛ لأنها تدل على طريق المواضعة التي تختلف بالاختيار .
قيل له : قد بيّنا أن المواضعة ، وإن كانت مختارة ، فوجه دلالتها قد لا يكون إلا على وجه واحد ، وتكون سبيلها في ذلك سبيل ما يدل على طريقة الإيجاب .
/ واعلم أن الأصل في هذا الباب أن الأدلة أجمع إنما تدل على وجوه ثلاثة :
أحدها : على طريق الصحة والوجوب .
والآخر : على طريق الدواعي والاختيار .
والثالث : على طريق المواضعة والمقاصد .
فأما الوجه الأول فمن حقه أن يدل على ما لولاه لما صح . ولا معتبر فيما ذكرناه من الصحة إلا الوجه الّذي عليه يدل ؛ لأنه لا معتبر بما عداه . ولذلك دلّ الفعل على أن فاعله قادر ؛ لأنه ، لولا كونه قادرا ، لما صحّ الفعل . ودلّ حدوث الموجود على محدث ؛ لأنه ، لولاه ، لم يصح كونه حادثا . وكذلك دلّ الفعل المحكم على كون فاعله عالما ؛ لأنه ، لولا كونه كذلك ، لما صح وقوعه محكما ، وإن كان قد يصح وجود جنسه ، ولا معتبر بذلك ؛ لأنه لم يدل على كونه عالما . بجنسه « 2 » ؛ وإنما يدل عليه لكونه محكما ، كما أنه لا معتبر فيما يدل على كونه قادرا بجنسه ؛ وإنما يعتبر بكونه فعلا ، من أي جنس حصل ؛ لأنه الوجه الّذي له دل على كونه قادرا .
ولهذه الجملة نقول ، فيما يدل على هذا الوجه ، إنه لا معتبر فيه بالجنس ، وإنما المعتبر بالوجه الّذي عليه يدل ؛ لأن ذلك الوجه هو الّذي يتعلق حصوله بما قلنا إنه يدل عليه .
وكذلك قلنا : إن الأجناس لا تتعلق ، في كونها أجناسا ، بالفاعلين ، وإنما يتعلق
هامش
( 1 ) في « ب » « يقتضي أن » .
( 2 ) في « ب » « لجنسه » .