حدوثها بهم . وكذلك منعنا من أن يصح من القادر أن يقلب الأجناس ؛ لأن الّذي يصح منه ، من حيث كان قادرا على إحداث الأجناس ، الّذي لا يؤثر في دخولها في كونها أجناسا ولا في خروجها عنه ، وإنما يؤثر في ظهور ذلك للمدركين الذين لا يعلمون اختلاف الأجناس إلا عند الإدراك .
ولذلك قلنا : إن من يعرف اختلاف الأجناس ، لا بهذا الوجه ، فإنه يعلم المختلف منها والمتفق ، قبل أن يحدثها ويفعلها .
فإن قيل : كيف يصح أن تقولوا : إنه يدل على هذا الوجه ، وهذا القول ، منكم ، يقتضي أن تعلموا كونه قادرا قبل اختيار الفعل ، حتى يصح أن تقولوا إن الفعل دلّ عليه من هذا الوجه ؟
قيل له : ليس الأمر كما قدّرته ، لأنا إنما نتكلم على ما علمناه دليلا وطريقا للمعرفة بالمدلول على أي وجه دل عليه ، فيجب أن يكون علمنا بالأمرين قد تقدم ، ليصح أن نتكلم في ذلك كما يجب ، إذا بيّنا العلة لما ذا أوجبت المعلول ، أن يكون علمنا بهما قد تقدّم ، حتى يصح أن نتكلم في هذا الوجه . ولذلك مثال في الضروريات ؛ لأنا نعلم المدركات بالإدراك ، ثم نتكلم في أنه لم صار طريقا لمعرفتها ، وعلى أي سبيل نعرفها بالإدراك ، ونبين الوجه في ذلك . وهذا يبين سقوط ما ظننته . وبمثل ما قلناه يسقط قول من يقول : كيف دل الفعل على كونه قادرا ، من حيث لولا كونه قادرا ، لما صح ؟
وذلك يوجب أن الفعل فرع على كونه قادرا ، وأن تعلموه قادرا أولا ثم تعرفوا الفعل .
وذلك لأنا قد بيّنا أن طريقة العلم في الترتيب لا يجب أن تكون كطريقة المعلومات .
فما هو أصل في نفسه قد يكون العلم به فرعا ، وما هو فرع في نفسه قد يكون العلم به أصلا .
فالواجب أن تعتبر حالها في نفسها . ولولا أن الأمر كذلك لصح أن نستدل بالمحدثات على المحدث القديم تعالى ؛ وفساد ذلك يبيّن / صحة ما قلناه . فنحن نعلم أو لا وقوع التصرف بحسب قصد زيد ودواعيه ، ثم نستدل بوجوب كونه كذلك - على طريقة واحدة ، ومفارقة حاله لحال غيره في تصرفه - على أنه إنما صح منه لحال يختص بها ؛
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 153
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٥٣