الكلام في الجنس الثاني من النبوات
الكلام في المعجزات
اعلم أنا متى لم نبين فيها أنها تدل على صدق الرسول فيما يدعيه من الرسالة ، والوجه الّذي ، لكونها عليه ، / تدل على ذلك ، وكيفية دلالتها عليه لم يصح أن نبيّن وقوع ما جوّزناه في البعثة ؛ لأنا إنما نحكم بثبوت ذلك لمكان المعجز ودلالته عليه . فلا بدّ من بيان ذلك ، وتفصيل القول فيه .
وقد يمكن بيان ذلك ، وإن لم تقع البعثة ؛ لأنه ، كما يصح أن يعلم حسن البعثة ووجوبها ، فقد يعلم كيفية دلالة المعجز عليها ، وإن لم يحصل الأمران . ولا ينقض ذلك ما ذكرنا الآن ؛ لأنا علقنا وقوع البعثة بمعرفة « 1 » المعجز ، لا أنا نعلق معرفة المعجزات بوقوع البعثة . فصار معرفة دلالة المعجز كالأصل لوقوع البعثة وثبوت الشرائع ، كما أن حصول البعثة فرع عليه . فلذلك وجب تقديم القول فيه .
فإن قال : إنما كان يصح ما ذكرتم لو كان لا دليل يدل « 2 » على النبوة إلا المعجزات . فأما إذا صح أن يدل عليها سواها ، فلما ذا جعلتم ثبوت ذلك فرعا على الكلام في المعجزات ؟ أوليس من قولكم أنه يصح أن يعلم الشيء بدليلين ، بل بأدلة ، ولا يجب عندكم ، إذا دل عليه دليل معين ، أن تقطعوا على أنه لا دليل يدل عليه سواه ؟ فجوزوا العلم بوقوع البعثة ، وإن لم يعرف حال المعجز ، ولا وجه دلالته .
وهذا يبطل قولكم : إنه أصل في هذا الباب .
قيل له : لو صحّ أن يعلم كون الرسول رسولا بأمر سوى المعجزة ، ثم رتب اللّه تعالى بعثتهم هذا الترتيب ، فلم يدل على ذلك إلا بالمعجزات ، لوجب كون الكلام في المعجزات أصلا الآن ، وإن كان ، لولا هذه الحال ، كان لا يكون أصلا له ، كما نقول
هامش
( 1 ) في « ب » : « لمعرفة »
( 2 ) في « ب » : « بدليل » .