وقد بيّنا ، في بعض المسائل أن العلم بالتبقية يخالف « 1 » العلم بصغير المعصية ؛ لأن علمه بصغرها « 2 » يوجب أن لا مضرّة فيها يعتدّ « 3 » بها ، مع ماله فيها من الشهوة ، فيكون في الجميع إغراء « 4 » . وكذلك القول في تعريف الغفران . وليس كذلك إذا عرف أنه يبقى ؛ لأنه فيما يأتيه لا يخرج من أن يكون مستحقا للمضار عليه ، ولأنه ، وإن علم أنه سيبقى فهو يجوّز ألا يختار التوبة . فالمخافة قائمة من الإقدام على المعاصي . فلذلك جاز أن تختلف أحوال المكلفين فيه . وإنما يصير العلم بالتبقية إغراء لا محالة ، إذا انضاف إلى هذا العلم العلم بأنه سيتوب لا محالة ، فيمن يجوز الإقدام على المعاصي . وأما إذا عرّفه اللّه تعالى أنه يبقى ، وعرّفه ، مع ذلك ، أنه لا يختار المعصية المحبطة ، فكان في العلوم أنه إلى الازدياد من الطاعات عند ذلك أقرب ؛ فكيف يجب تعلق الإغراء بهذا العلم ؟ ولو قيل : يصير مصلحة له ، لأنه ، إن لم يعرف أنه يبقى مدة ، جوّز أن يبقى أكثر منها ، فلا يستكثر من الطاعات كاستكثاره . إذا عرف أنه يبقى هذا القدر - لكان أقرب .
وبعد ، فإن الرسول إنما يقطع على أنه يبقى إلى أن يؤدى الرسالة التي حمّلها ، ثم ، من بعد ، تعود حاله إلى أنه ، في كل وقت مستقبل ، يجوز ألا يبقى وأن يقطع تكليفه ، وكذلك كانت أحوال الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، تنتهى إلى هذه الطريقة .
وذلك يزيل ما ذكره من الإغراء ، لأن الوجل والخوف إنما يزولان عن المكلف متى علم انتهاء تكليفه . فإذا لم يعلم ذلك فالخوف قائم . فلا يمتنع أن يكون تعالى يعلم من حال بعض عباده ممن يصطفيه للرسالة ، أن هذا الإعلام لا يكون إغراء له / بالمعاصي ؛ بل يكون بعثا له على الزيادة من الطاعات والعبادة . فتحمّله الرسالة على الوجه الّذي نقوله . فقد بان أنه لا فساد في بعثتهم من الوجه الّذي ذكروه ، وأن الطعن بذلك
هامش
( 1 ) في « ب » : « ما يخالف » .
( 2 ) في « ب » : « بصغيرها »
( 3 ) في ب « تعبد » .
( 4 ) في « ا » ، « ب » : « اغرا » .