شبهة أخرى
قالوا : لو وجبت البعثة لتعريف المصالح ، كما ذكرتم ، لوجب إذا كان في العلوم أن بعض المكلفين يقوم بما كلّف به ، عند إرسال / كافر أو فاسق ، أو من يختص بصفات تنفّر أهل العقول من القبول منه - أن تجب بعثته ؛ وفي ذلك مفسدة ، أو يتعرّى التكليف من اللطف ؛ وذلك فاسد عندكم . وإذا كان القول بحسن البعثة ، لأجل ما ذكرتم يؤدى إلى ذلك ، فيجب أن يفسد قولكم .
واعلم أنه تعالى إذا علم من حال بعض المكلفين ، أنه لا يصلح إلا بما يعرفه من جهة من ذكره السائل ، فإنه لا يكلّفه أصلا ؛ لأنه متى كلّفه أدى إلى أحد أمرين :
إما ألّا يلطف له « 1 » بما هو مفسدة ؛ وقد بيّنا أن ذلك لا يحسن في الحكمة ، وأن خلوّ التكليف من المصلحة لا يحسن أيضا ، ودللنا على ذلك في « كتاب اللطف » .
وسنبين من بعد ، أن من هذا حاله لا يحسن منه تعالى أن يبعثه رسولا . وفي ذلك إسقاط ما سأل عنه .
وبعد ، فإن ذلك يلزمه في التكليف العقلي ، بأن يقال له : إذا كان المعلوم في بعض الأدلة ، التي نصبها له ، أن نصبها مفسدة ، [ يجب أن ينصب ذلك ] « 2 » ، وهذا فاسد لو يتعرّى التكليف مما هو صلاح له . وهذا أيضا فاسد فيما يجيب به من ذلك فهو جوابنا فيما سأل عنه .
فإن قال : إن الأدلة العقلية لا تتخصص ولا « 3 » تتعين ، فلا يصح ما ذكرتموه فيها .
قيل له : إن علم المكلّف به قد يتغير « 4 » . فالمسألة لازمة لك في علمه ، بدلالة أنه قد
هامش
( 1 ) السياق هنا مضطرب » ، وليس المعنى واضحا ، سيما وأنه لم يذكر الوجه الثاني ، ونرجح وجود سقط هنا هو [ أو يكلفه ] كما تدل على ذلك الجملة التالية .
( 2 ) المعنى غير واضح وربما كان هنا سقط لا يتيح لنا السياق تحديده .
( 3 ) في « ب » : « فلا »
( 4 ) في « ب » : « يتعين » .