تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
واعلم أنا قد بيّنا أن المعلوم [ من ] التكليف ، من جهة الرسل ، لا يمكن أن يعرف بأدلة العقول ، ولا هو من الباب الّذي العلم به من كمال العقل ؛ ودلّلنا على صحة ذلك . فإذا لا يمكن معرفته إلا من قبل اللّه بخطابه ، أو بخطاب رسله ، وفي كلا الوجهين لا بدّ من علم يظهر ؛ فإنما تمكن معرفته بهذا الطريق فقط . ولا يوجب ذلك تعجيزا ؛ لأنه من الباب الّذي لا يصح في نفسه ؛ وإنما يدخل التعجيز في الأمر الّذي يصح خلافه ، متى لم نصف القادر بالقدرة عليه . فأما فيما هذا حاله فلا وجه لإطلاق هذه الكلمة فيه . وبعد ، فإنه تعالى قادر على أن يعرّفنا ذلك باضطرار . لكن التكليف يزول معه ، بما بيّناه من أن ، مع كون المعارف ضرورة ، لا يحسن التكليف . وبعد ، فإنه يقال لهذا السائل : إذا لم يجز أن يعرف ذلك من جهة الرسل لزمك التعجيز . فإن قال : أجوّز ذلك ، كما أجوّز أن يعرف ذلك بأدلة العقول . قيل له : فإذا صح ذلك ، بالوجهين ؛ فما الّذي يمنع من أن يحسن منه ، تعالى ، أن يبعث الرسل ، بدلا من إقامة الأدلة في العقل ، كما ينصب دليلا بدل غيره من الأدلة ؟ فإن قال : أمنع من ذلك ؛ لأن الدليل العقلي قد نصب فقد استغنى به عن السمعي « 1 » . قيل له : قد بيّنا أنه غير ثابت ؛ وبيّنا أنه لا يصح أيضا نصبه ؛ لأنه ليس في المقدور ما يدل على هذه الأمور إلا ما يجرى مجرى الخطاب . وبعد ، فإنه يجب ، على قوله ، أن يعرفنا تعالى جميع ما كلفنا باضطرار ؛ لأنه أوكد ، أو بالوجه الأصلي لأنه أوكد ، أو يزيل عنا عوارض الشبه ليكون طريق المعرفة أوكد . فإذا لم يجب ذلك عنده ، لبعض الوجوه التي تذكر في ذلك ، فكذلك القول فيما قدمناه .
هامش
( 1 ) في « ب » : « السمع » .