عند ذلك ، ويدع « 1 » أن يكلفه ما يكون صلاحا له ؟ وهذا متى تأمله السائل تبين فساده عن قرب « 2 » .
فإن قال : كيف يصح / على ذلك ما تقولون : من أنه ، تعالى ، لو علم أن صلاح المكلف بعثة رسول إليه ، دون رسول ، لوجب ذلك ؛ وعلى هذا القول تكليفه لا يتغير ؟
قيل له : إن ذلك صحيح ، وإن كان التكليف واحدا ؛ لأنه قد يقع هذا التكليف الواحد على وجه ، يكون المكلف عنده أقرب إلى أن يتمسك به ، وقد يقع على وجه يكون أبعد من ذلك . والقديم تعالى إنما يبعث الرسل للمصلحة ، فلا بدّ من أن يفعل في البعثة ما هو الأوكد في كونه مصلحة ، والأدب إلى أن يختاره المكلف ؛ لأن أصل البعثة المقصد به طلب مصالح المكلف . فلا بد إذا انقسم إلى وجهين ، أحدهما أقوى من الآخر في بابه ، أن يكون ذلك الوجه هو الواجب ، على ما نذهب إليه ، وباللّه التوفيق .
شبهة أخرى
قالوا : إن كان ما يرد به السمع مما لا بدّ منه ، على ما ذكرتموه في كونه مصلحة ، فيجب ألّا يمتنع منه تعالى أن يعرفناه بالعقل ؛ لأنه أو كد في طريق العلم والمعرفة ؛ وأن تستغنى عن بعثة الأنبياء ، سيما وفي طريق معرفة نبوتهم وشرائعهم من الشبه ما ليس في العقل وأدلته . ولا يجوز من الحكيم أن ينزل بالمكلّف ، عن الطريق القوى في المعرفة ، إلى الطريق الضعيف ، كما لا يجوز [ ألّا يعرّفه ] « 3 » مصالحه . وذلك يوجب الغنى عن بعثة الرسل ، وأن تقبح بعثتهم ، أو يوجب ألّا يكون تعالى موصوفا بالقدرة فيما يعرف من قبلهم ، أن يعرفناه من جهة القبول .
هامش
( 1 ) في « ب » : فيدع »
( 2 ) في « ب » : « قريب » .
( 3 ) في « ب » : « أن يعرفه » .