لولاها ، كان يختار قبيحا ، أو يترك واجبا ، لم يحصل فيها دفع مضرة ، فلم تجب ، كوجوب الصلوات الواجبة .
فإن قال : أو لستم تقولون إن القديم تعالى لا بدّ من أن يبين النفل ، كما يجب أن يبين الفرض ؟ فإن كان حال النفل ما وصفتم فلما ذا يجب أن يبينه ؟
قيل له : لأنا قد دللنا على أنه تعالى ، إذا كلف تعريضا للثواب ، فلا يجوز أن يكون في مقدور أمر من فعل أو بيان ، إلا ويفعله تعالى ، حتى يكون قد فعل ما لا شيء أصلح منه فيما كلّف - فكذلك يجب أن يبين جميع العبادات للعبد ، ويتعبده « 1 » بها على الحد الّذي يجوز التعبد بها ، كما لا بدّ ، فيما يفعله من المصالح ، من أن يبلغ فيه نهاية الأصلح ، حتى إذا عصى العبد ، من بعد ، فإنما أتى من قبل نفسه ، على كل وجه .
وقد بينا ، في « كتاب اللطف » ، أنه تعالى لا بد من أن يبين هذه النوافل من وجه آخر ، وهو أنه قد تقرر في العقول كونها ، لما فيها من المشقة ، قبيحة . / فلو لم يبين فيها بعض وجوه المصالح ، على ما بيناه ، تعرّضنا لاعتقاد يجرى مجرى الجهل ؛ لأنه كان يجب أن يعتقدها قبيحة منا ، ومن حقها أن تكون حسنة ؛ وشرحنا في ذلك .
شبهة أخرى
قالوا : إن صحّ لكم ما ذكرتموه في النوافل فلن يصحّ لكم مثله في الواجبات المخيّر فيها ؛ لأنها ، أجمع ، مصالح ، على طريقة واحدة ؛ وكان يجب أن يكون تعالى يوجبها على الجمع ، خصوصا إذا أمكن المكلف الجمع بينهما .
واعلم أن العقل قد يكون بعينه مما يختار عنده الواجب ، على وجه لولاه ، كان لا يختاره ؛ وقد يجوز أن يقوم مقامه غيره في ذلك ، فإذا تغير هذا الحكم فيه وجب معيّنا ، وإذا قام غيره مقامه خيّر تعالى بينهما ، ولم يجب الجمع بين الأمرين ؛ لأن هذا الحكم لا يقع لهما بالجمع ؛
هامش
( 1 ) في « ب » : « وتعبده » .