فإن قال : فإن كانت النوافل من الصلاة مصلحة فهلا وجبت كوجوب الواجبات ؟
قيل له : إن هذه الأفعال إنما تكون مصالح في باب الدين « 1 » ، وينبغي أن تكون محمولة ، فيما يجب أو يحسن ولا يجب ، على مصالح الدنيا . وقد علمنا أن أحدنا لا يلزمه تحمّل المشقة لدفع المضرة ولاجتلاب المنفعة فقط ، ويلزمه تحمّل المشقة لدفع المضرة ، أو لاجتلاب المنفعة ودفع المضرة جميعا .
فإذا علم تعالى في الصلاة أنها مصلحة على الوجهين ففيها اجتلاب منفعة ، وهو الثواب الّذي يستحق بها والّذي يستحق بما عندها يختاره - ودفع مضرة ، وهو العقاب الّذي لولا فعله لها لاستحقه على ما كان يختاره من القبيح وترك الواجب - فلا بدّ من أن يوجبها . وإن كان المعلوم مصلحة ، من جهة أن فيها منفعة فقط ، لم يحسن إيجابها ؛ لأن إيجاب ما لا وجه له يجب لأجله ، يقبح من الحكيم ، كما يقبح منه تحسين القبيح وتقبيح الحسن ، على ما بيّناه في أول باب العدل .
فإن قال : فما الوجه الّذي عليه تكون النافلة من الصلوات مصلحة ؟
قيل له : لأنها مسهلة للواجبات . فكأنه ، إذا مرن على فعلها واعتادها ، يكون إقدامه على الواجب أسهل عليه ، وعن النفار من فعله أبعد ، فيكون كالوجه في تقوية داعيه إلى فعل الفرائض . وعلى هذه الطريقة ، ورد الشرع من الرسول ، صلى اللّه عليه ، في أن نأمر الصبى بالصلاة في حال ، ونضربه على فعلها في حال ؛ لكي يعتاد ويمرن عليها . وإذا كان ما يتقدم منه ، قبل التكليف ، يؤثر في ذلك فبأن تؤثر فيه النوافل ، على هذا الحد في حال تكليفه أقرب .
وهذه الطريقة متقاربة ؛ لأن من يتحمل المشقة ، فيما لا يجب ، يكون الواجب أسهل عنده ، وأقرب إلى أن يفعله . وما قدمناه من دعاء مجالسة الصالحين إلى التمسك بالصلاح يدل على ذلك . لكنها لمّا كانت مسهّلة ، ولم يكن المعلوم من حالها أن المكلف ،
هامش
( 1 ) في « ب » : « البيت » ( كذا ) .