والثاني : لأن ، في هذه الأفعال من تحمّل المشقة ، على وجوه مخصوصة ، مثل ما في تلك الأفعال .
وبيّنوا أن هذا القدر يسقط استبعاد من يستبعد كونها مصالح في العقليات . وبيّنوا أنّا لا نقطع على أنها مصلحة لأي وجه وجه من ذلك ؛ وأنا إنما أوردنا ذلك لنزيل ما توهمه الخصم من الاستبعاد . وبيّنوا أن الطريقة في ذلك كالطريقة في الآلام ، والغموم ، والمعالجات . وذلك أن من نزلت به الآلام فقلق بها وطلب التخلص منها بالمكاره من العلاج واحتمى من الملاذ ، [ طلبا للسلام « 1 » ] منها ما يكون أقرب إلى مفارقة المعاصي ومقاربة الطاعات ، وتحمّل المشقة فيهما ليتخلص من العقاب الدائم ، ويستحق الثواب ؛ ثم لم يجب أن يعرف التفصيل في ذلك ، ولا وجب أن يقطع على أن هذا هو الوجه دون غيره . وكذلك القول فيما قدمناه .
وبعد ، فقد بيّنا أن أحدنا تلزمه التوبة ليزيل العقاب عن نفسه ، وأنه لا فرق بين أن يعرف عين الفعل فيتوب منه ، وبين ألا يعرف ذلك في أن وجه وجوب التوبة قد حصل له ، وقد تمكن من تلافى ما كان فيه . وكذلك القول في المصالح ؛ لأنا قد بيّنا أنها إنما تجب لما تتضمن من إزالة المضرة واجتلاب المنفعة على الوجه الّذي ذكرناه .
شبهة أخرى
قالوا : قد قلتم في الصوم والصلاة إنه تعالى إنما أوجبهما في هذه الأوقات المخصوصة لعلمه بأنهما مصلحة ، إذا وقعا في هذا الأوقات ، دون غيرها ، فيجب ، على هذا القول ، أن تكون الصلاة في أوقاتها مصلحة ، وفي غير أوقاتها ليست بمصلحة . ولو كان كذلك لكانت قبيحة في غير أوقاتها ؛ لأنها مشقة يتحملها من غير مصلحة فيها . فإذا بطل ذلك ؛ لأنكم تقولون إنه يحسن منه التنفل بها في غير أوقاتها ، ويحسن منه أن يتطوع
هامش
( 1 ) في « ب » : « طلب السلامة » .