العباد « 1 » ، أن - عند بعض الأفعال - يختاروا الواجب ، دون فعل مثله ونظيره ؟
وأظن أن شيخنا « أبا على » أجاب عن ذلك في نقض الزمردة بأن هذا السؤال لا بدّ من لزومه على كل وجه يصح أن يقال في المصالح ؛ وذلك أنه لا يمكن أن يقال إن الصلاة تكون مصلحة من إيقاعها في حال دون حال . فلو قيل فيها إنها تفعل في غير هذا الوقت لكانت المسألة قائمة . ولو قيل في الصوم أنه يفعل في شعبان ، دون رمضان ، لكانت المسألة قائمة . وكل مسألة تقتضى - وهي من فروع المصالح - الطعن في أصل المصالح وزوالها ، فيجب القضاء بفسادها ؛ لأن المورد لها مسلم لباب المصالح منازع في كيفيته . فإذا قاد قوله إلى إزالة ما سلمه فيجب فساد ما يورده من الطعن .
قال رحمه اللّه : ولو أن قائلا قال إنه تعالى يتعبّد بهذه العبادات في هذه الأوقات ، وإن كان حالها في سائر الأوقات كحالها في هذه الأوقات ، لكن الضم فيها يكون مفسدة ، فهو مخير إن شاء أوجب في هذا الوقت ، وإن شاء في غيره كان لا يمكن إفساد مذهبه .
وبيّن أن كل ما أورده في هذه العبادات واختصاصها بعين ، أو وقت ، أو حال ، أو شرط يلزم مثله فيما يفعله تعالى لمصالح العباد ، لأنه لا بد من أن تكون مختصة ببعض هذه الأوقات أو بجميعها ، ومتى قالوا فيها إنه تعالى فعلها كذلك ، وقد كان يجوز أن يختارها على غير هذا الوجه ، قلنا بمثله في العبادات . وإنما لم نعتمد لأنها قادحة فيما بيناه ، من أن وجه حسن تكليف الشرائع ليس إلا كونها ألطافا ، ولأنا قد دللنا على ذلك في « كتاب اللطف » على أنه تعالى لا يجوز أن يعلم من حال فعلين أنهما يحلّان محلا واحدا في المصلحة ، ويدل على أحدهما ، ولا يدل على الآخر ، أو يكلفنا أحدهما دون الآخر ؛ وبينا الفرق بين العبادات ، في هذا الباب ، وبين ما يختاره القديم تعالى من المصالح ، وأشبعنا القول في ذلك . فلصحة هذين الأصلين اخترنا الجواب المتقدم . وباللّه التوفيق .
هامش
( 1 ) في « ب » : « العادة » .