واعلم أنه لا شيء مما يتصرف فيه المرء « 1 » إلا ويقارب ما « 2 » قدمناه ، لأن من لا يعرف نماء « 3 » الزرع يقبح منه طرح البذر ، ويعدّه العقلاء عابثا ، وإذا عرف ذلك كان ما يفعله النهاية في الحكمة . وكذلك القول في سائر العلاجات ، وما يتعاطاه أحدنا من العلاجات والتجارات وسائر المكاسب . والوجه في كل ذلك ما قدمناه ، من أن الّذي يؤثر في كونه حسنا [ وحكمة ] المعرفة بما يعقبه ويؤدى إليه من المنافع ودفع المضار ، فمتى لم يعرف ذلك من حاله ، ولا حصل ما يقوم مقام العلم ، عدّ عبثا وسفها . وإذا عرف ذلك من حاله لحق بباب الحكمة . فكذلك القول في الركوع والسجود والسعي والطواف والرمي إلى غير ذلك ؛ لأن العلة في حسن الجميع واحدة على ما تقدم القول فيه .
فإن قال : فما قولكم في ذبح البهائم ، أليس لا بدّ من كونه قبيحا ، لأنه لا عاقبة للبهيمة بعد الذبح والقتل ، ولا يحسن الإضرار بها لمنفعة تعود على غيرها .
قيل له : قد بيّنا أنه إنما يحسن لأنها تعاد وتعوض ، وأنه تعالى ، بإباحة ذبحها قد يضمن لها العوض العظيم . فكما يحسن من أحدنا تكلف المشقة في الطاعات طلبا للثواب فغير ممتنع أن تحسن الآلام لمنافع في العاقبة وقد تقصينا القول في ذلك في باب الآلام .
فإن قالوا . لا ننكر ، في الأفعال التي أوردناها ، أن تحسن إذا أدت إلى منافع ودفع مضار ؛ وإنما ننكر « 4 » قولكم « 5 » إنها تؤدى إلى ذلك .
قيل له : قد سلمت « 6 » ما أردناه من أنه قد يصح أن يحسن ، والحال هذه ؛ وأن حاله تفارق حال الظلم والكذب اللذين « 7 » لا يحسنان ، وهذا حالهما . وإنما نحتاج أن نبين أنه قد يصح حصول هذه المنافع فيه . وقد بيّنا أن ذلك إنما يعلم بالسمع ، لأن العقل لا يدل عليه . فإذا ورد السمع بذلك عرفناه . وعند معرفتنا بذلك يعلم أنه حسن لأجله ، فإذا اتفق ، مع المنافع ، دفع مضار ، علمنا أنه يجب لهذه العلة . وقد تقصينا ذلك من قبل .
هامش
( 1 ) في « ب » : « الأمر » .
( 2 ) في « ب » : « علاما » .
( 3 ) في « ا » ، « ب » : « نما » .
( 4 ) في « ب » : يمكن »
( 5 ) في « ب » : « قولهم » .
( 6 ) في « ب » : « سلت »
( 7 ) في « ب » : « الذين » .