أنه يقبح ، أو فيما تقل الحاجة إليه أنه يقبح - لوجب من ذلك صحة ما تقوله « الثنوية » من قبح الآلام ، لأنها من أعظم ما يقع النفور منها ، وأن يقال بحسن الملاذّ ، لأنها أعظم ما يقع السكون إليها والالتماس لها . فإذا علمنا أن النهاية في اللذة قد تقبح لكونها مؤدية إلى مضرة عظيمة ، والنهاية في الألم قد تحسن لعاقبة حميدة في المنافع ودفع المضار ، فما الّذي يمنع من صحة ما قلناه ، وإن خرج عن العادات ، ولو اعتبرت العادة في هذا الباب لوجب اعتبارها فيما يتعاطاه الناس من الملابس ، والمآكل إلى ما شاكل ذلك . وقد عرفنا بطلان ذلك ، وإن كان كل فريق إذا ألف / من ذلك طريقه ينفر طبعه [ عن الطريق ] الآخر فكذلك القول فيما ذكرناه .
فإن قال : أو لستم تقولون في الرجل ذي القدر العظيم والفضل في المنزلة والعلم إنه لا يحسن منه أن يأكل في الطريق وفي الأسواق ، وأن يلبس ما يلبسه الدون من الناس فقد جعلتم للعادة في ذلك تأثيرا ؟
قيل له : ليس الأمر ، كما قدّرته . وإنما يقبح ذلك منه إذا كان في ذلك مضرّة عليه ، أو مفسدة فيما يعود إلى الدين . وعلى هذا الوجه قلنا إنه تعالى لا بدّ من أن يجنب الأنبياء صلوات اللّه عليهم ما ينفر عنهم من الأمور الدنيّة ، ويصير ما حلّ هذا المحل قبيحا منهم ، وإن كان قد يحسن من غيرهم .
وقد قال شيخنا « أبو علي » رحمه اللّه : إذا كان من جهة العادة ، قد يستقبح أحدنا جمع الرّماد والقذر ، ثم لم يمنع ذلك من حسنه ، إذا علم بالتجربة أنه ، متى سمّد به النخل والشجر ، كان النفع عنده ؛ وكذلك تلقيح إناث النخل بذكورها من دون تجربة يقبح ، حتى إذا عرف ، بالتجربة ، النفع الواقع به حسن ذلك - فما الّذي يمنع من مثله في سائر الشرائع ؛ لأن التجربة أمارات يتطرق بها إلى الظنون « 1 » ، فإذا كانت تؤثر هذا التأثير فبأن يؤثر طريق العلم في ذلك أجدر .
هامش
( 1 ) في « ب » : « الضنون »