يبين ذلك أنه لا شكل يصير عليه أحدنا في حركاته إلا وقد يقترن به من دفع الضرر واجتلاب النفع ما يحسن لأجله : من قيام ، وقعود ، وركوع ، وسجود ، ومشى ، وعدو ، وطواف ، ورمى إلى غير ذلك . فإذا كانت تحسن لمنافع مجتلبة في العاجل ولدفع مضار ، فيجب ألّا يمتنع أن تحسن لمنافع الدين ، ودفع المضار فيه .
يبين ذلك أن أعظم ما يكون المرء به مشوّها لنفسه قد يحسن فعله عند خوف شديد يرجو التخلص به . ولو أن سلطانا جائرا طلب في رجل دمه وماله ، لعقله ورأيه وأحواله ، لحسن منه أن يشوّه بنفسه ليزيل المخافة عنها . وكذلك فلو طلبه في منزله ، وأراده بالمكاره لحسن منه ، على جميع حالاته ، الهرب من منزله . ولهذا الوجه يحسن من أحدنا إذا شاهد السبع ، أن يعدو من بين يديه ، طلبا للخلاص منه ، وإن عدا على الشوك ، حتى لو نشاهده ، وقد تعرى من ثوبه ، عند نومه أو غيره لحسن منه العدو بتلك الصفة . وقد يحسن منه أن ينحنى ، فيتصور ، بصورة الراكع ، عند عطش ، وجوع ، ليتناول ما يزيلهما به ؛ بل ربّما زاد على ذلك لهذا الوجه . وقد يطوف بحائط داره ، ليتأمل « 1 » حاجته إلى مرمة وإصلاح . فإذا لم يتبين ذلك ، بالكرة الأولى ، كرّره ، حالا بعد حال . وقد يدفن ، حول داره ، دفينا من ماله ، ثم يخفى عليه موضعه ، فيحسن منه الطواف لتأمل ذلك الموضع وأن يكرّره . وقد يحسن منه السعي ، على طريق الهرب من العدوّ والسبع . وقد يحسن ذلك منه ليلحق العدوّ فيظفر به / ؛ وقد يحسن منه عند شدة العطش ، وغير ذلك ، وقد يحسن منه رمى الحجارة تخلصا من العدو . [ ويحسن ذلك ] « 2 » إذا رماه [ إلى فاكهة على شجرة ] « 3 » إذا لم يمكنه أن يجتنيها إلا بهذا الفعل ، والحاجة إليها ماسّة .
فإذا كان لا شيء من هذه الأفعال إلا وقد يحسن لبعض الوجوه التي ذكرناها : من دفع مضرة ، واجتلاب منفعة ، وصحّ بالسمع أن فيه دفع المضارّ ، واجتلاب المنافع في الدين ؛ فما الّذي يمنع من جنسه وورود التعبد ؟ بل الحال في ذلك أقوى ؛ لأن كل
هامش
( 1 ) في « ب » : « وللينامل »
( 2 ) ما بين المعقوفتين مكرر في « ب » .
( 3 ) في « ب » : « علا شجرة إلى فاكهة » .