الّذي ذكرناه يحسن لمنافع منقطعة قليلة ، ولدفع مضارّ منقطعة قليلة ، فبأن يحسن لرفع المضارّ الدائمة واجتلاب المنافع الدائمة أولى .
فإن قال : فإن كان ما ذكرتموه قد يحسن [ لهذه البغية ] ، حتى التشويه بالنفس عند المخافة الشديدة ، فلما ذا ضربتم المثل ، عند ذكر القبائح ، بالتشويه ؟
قيل له : إنما لا نعدّه تشويها إذا فعله العاقل ، لدفع مضرة العدوّ ، وتخليص النفس من الهلاك ، بل ذلك من الحزم والرأي ، لأنه لا يمتنع ، في العقل ، أن يتغير حكمه بحسب اختلاف الأحوال . يبين ذلك أن عند الحاجة إلى الجماع ، قد يحسن من الإنسان أن يصير على صورة مخصوصة ، فيعد حزما ؛ ولو صيّر نفسه كذلك ، في حال أخرى لعدّ نقصا وعبثا . وقد يتعرى الرجل بعض التعرى في المغتسل ، ويمكّن غيره ، ممن يخدمه من تعاطى أمور في بدنه ؛ ولو فعل ذلك في غير هذا الوقت لكان عيبا قبيحا .
وهذه الطريقة مستمرة في جميع الأفعال . فإنما يعد ذلك تشويها إذا فعله المرء مع سلامة الحال ، لأن عند ذلك يبين أنه أقدم على ما لا شيء في العقل أوضح قبحا منه ؛ لأنه مجموع قبائح كثيرة لا غرض « 1 » فيها ؛ فهو نهاية في القبح والعبث ، وهذا كما يضرب المثل في باب القبح بقتل الناس وأخذ أموالهم ، ولا يوجب ذلك أن لا يوجد [ هذان الفعلان ] إلا على وجه يقبحان عليه ، وكما يعد التبذير والسّرف قبحا ونقصا ولا يوجب ذلك أن يكون قبيحا في كل حال ، أو سرفا في كل حال ؛ بلى ربّما يكون ذلك القدر من الإنفاق قصدا ، بل بخلا .
فهذه الأفعال لا معتبر بصورها في القبح والحسن ، ولا فيما يجرى عليها من الأسماء والصفات ؛ بل الواجب أن يعتبر حالها في العقل ، وما يحصل بها من الأغراض وما لا يحصل ، فيحكم في كل منها بما تقدّم العلم به باضطرار « 2 » - على جملة أو تفصيل - أو باستدلال . ولا يجب أن تعتبر في هذا الباب بالعادات ، لأن ذلك لو صح التطرق به إلى هذا الوجه ، حتى يقال فيما يخرج عن العادة أنه يقبح ، أو فيما اعتاد الناس النفار عنه
هامش
( 1 ) في « ب » : « عوض » .
( 2 ) في « ب » : « بالاضطرار »