تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
الّذي لا يزايله ، بمنزلة الغائب مع الشاهد . وإنما « 1 » جوز الإرسال إلى العاقل ليعرف ويمتثل لأجل عقله المرتب القائم « 2 » ؛ فكيف يجوز أن يرد بخلاف ما يتضمنه ويقتضيه ؟ فهذا سبيل فساد القول بالبعثة . واعلم أنا قد بينّا ، فيما تقدم ما يحل هذه الشبهة ، لأن العقل لا يعرف به هذه الأحكام التي سألوا عنها إلا مشروطة ليعرف به قبح المشقة ، إذا لم يتضمن دفع مشقة أعظم منها ، ويقتضي وجوب ذلك إذا كان مقتضيا لدفع ما هو أعظم منه [ مع ما ] فيه من المنافع . وكذلك فإنما يقتضي ، في المنافع ، أن تكون [ حسنة ] متى لم تعقب مضرة . [ فأما إذا أعقبتها ] فالعقل يقتضي قبحها . فلسنا نسلّم للقوم ما ظنّوه ؛ لأن العقل لا يقتضي أن تكليف مثل الصلاة ، والصيام ، يقبح ؛ وإنما يقتضي قبحه على وجه ، ووجوبه على وجه . وكذلك القول في تناول اللذات . وقد بينّا أن ما يتعقب المضرة من المنفعة ، أو المنفعة من المضرة قد يكون مغيّبا غير مشاهد ، ولا معلوم في الحال ، فيجب أن يكون مجوّزا في العقل ، وإن تأخرت هذه العواقب . وإذا صحّ ذلك ، وورد السمع بأن في هذه الأفعال الشاقة دفع مضار عظيمة واجتلاب منافع ، فالقول بوجوبه هو الّذي يقتضيه العقل ، ولا يجوز غيره . وإنما علمنا بالسمع حال عاقبته على وجه ، لو علمناه بالعقل لكان وجوبه يقينا . وقد علمنا أن طرق المعرفة ، وإن اختلفت ، فحكم المعلوم لا يتغير . فإذا وجب ذلك ، لو علم عقلا ، فكذلك متى عرف ما ذكرناه سمعا . وكذلك القول في المنافع . أما « 3 » لو علم ، بالعقل ، أنها تعقب مضرة عظيمة لقبحت . فإذا علم بالسمع فكمثل . فإذا لم نقل بوجوب ما ليس في العقل وجوبه ؛ بل أوجبنا ما اقتضى العقل ذلك فيه / لكنا عرفنا وجه وجوبه ، لا بالعقل المتجرد ؛ لأنا قد علمنا أن وجه وجوب الواجب لا يعلم بمجرد العقول ، وإنما يعلم بإخبار وخبر ، أو تجربة ، أو عادة ، إلى غير ذلك مما يعرف به التفصيل . فإذا جاز
هامش
( 1 ) في « ب » : « فإنما » . ( 2 ) هكذا في « ا » و « ب » ولعلها « العالم » . ( 3 ) في « ب » : « أنا »