وبعد ، فإن اختلاف أحكام الأفعال من جهة العقل فيما يتصل بمصالح الدين كلها ، يبطل هذه المسألة ، لأن حال الإنسان تختلف في أكله ، وشربه ، وصحته ، ومرضه ، ومعالجته .
فالأدوية « 1 » بحسب العلل والأحوال والأوقات . وتصرّفه « 2 » بحسب ما يظنه ، ويعلمه من أسباب الحاجة وأسباب المنفعة والمضرة ؛ لأن أحدنا يقعد للمؤاكلة والمحادثة ، فيحسن قعوده . فإذا خاف من بعد ، سقوط حائط أو هجوم عدوّ ، أو نزول بليّة قبح منه القعود ، ولزمه « 3 » القيام . وإذا قويت عليه الحرارة « 4 » حسن منه تناول المبرّدات ؛ وإذا زالت لم يحسن منه ذلك . وكذلك القول فيما يتعاطاه أحدنا من العلاجات والفلاحات وتدبير الأولاد والخدم .
واعلم أنه لا معتبر فيما يختلف فيه وما لا يختلف من الاعتقادات والعلوم ، بطرق العلوم ؛ وإنما المعتبر بنفس العلم ، لا بل بالمعلوم ، لأن هذه الطرق هي وصلة العلوم . والعلوم فإنما يعتبر فيها حال المعلوم فتختلف لأجل ذلك .
فإذا صحت هذه الجملة لم يكن لأحد أن يفصل بين ما أوردناه من علوم الديانات ، لأن الحال في الجميع واحدة . ولهذه الجملة قلنا لمن أنكر جواز نسخ الشريعة : إن مثل الّذي أنكرته ، إذا كان مجوّزا في السمع مع العقل ، فيجب تجويز مثله في السمعين ، لأن الفرق بينهما إنما يمكن من حيث تختلف طرق معرفتهما ، وذلك لا يؤثر .
واعلم أن شبهة من « 5 » يأبى نسخ الشريعة كشبهة البراهمة . وإنما أتوا من جهة الجهل بأحوال المعلومات ، واختلاف وجه المصالح فيها ، لأنه كما يجوز أن نخالف مصالح السمع كما « 6 » تقرر في العقول الضرب المخصوص / من المخالفة التي لا تناقض فيها على ما قدمناه ، فقد يخالف السمع السمع ، لأن أهل العقول كما قد يكون المعلوم من حالهم أن ما كلّفوه لا يصلحون فيه إلا بأن يتمسكوا بضرب من الشرائع ، فقد يجوز أن يعلم من حالهم أن ضروب الشرائع ، التي عند التمسك بها يصلحون فيما كلفوه عقلا ، تختلف . فكما يجوز
هامش
( 1 ) سقطت من ب
( 2 ) سقطت من « ب »
( 3 ) في « ب » : « ويلزمه »
( 4 ) في « ب » : « الحرار » .
( 5 ) في « ب » : « ما » .
( 6 ) في « ب » : « فما » .