واليقين ، فبأن يتمسك بذلك ويزيل عن نفسه الشبه فيه أولى ، سيما ومصالح الدنيا موضوعة لأن تكون اعتبارا في مصالح الدين ، لولا ذلك لما حسن من القديم تعالى أن يؤتيها على الحد الّذي رتبها عليه . فالقديم تعالى لمّا علم أن إتعاب النفس في طلب القوت بالزراعة والسقي ، والمصائب وتحمل المشاق « 1 » في المعالجات بطلب الصحة وزوال السقم ، إلى غير ذلك ، أقرب إلى أن يتكلف العبد الطاعة طلبا للمنزلة ، مع ما فيها من المشقة ، ويجانب المعاصي مع ماله فيها من الشهوة وبلوغ الأماني ، رتبها / هذا الترتيب بكونها مصلحة في الدين ، وإلا كان يكون هذا الضرب من الترتيب والتدريج قبيحا في الحكمة ، بل كان تعالى لا بدّ من أن يفعل الغرض عند الحاجة من غير تكليف التعب . وكل ذلك يبين أن من أجرى هذه العادات ، لما تقتضيه من الحكمة ، فلم يدع أمرا يكون المكلف عنده أقرب إلى نيل ما عرّضه له من المنزلة ، فيما يتصل بمصالح الدنيا ، وفي سائر ما أظهره من الأحوال ، فالواجب إذا علم أن من مصالح المكلف أن يتكلف من جهته أمورا شاقة ، فيكون عند تكلفها والعدول عن كثير من لذاته وشهواته ، أقرب إلى نيل هذه المنزلة . فلا بدّ من أن يلزمه ذلك ، ويعرّفه الحال فيه ؛ ليكون مزيحا لعلته ، وفاعلا ، في تكليفه ، ما ليس في المقدور أصلح منه .
شبهة أخرى لهم
قالوا : لو صحت النبوّات لوجب أن يجوز أن يوجبوا ما ليس في العقل وجوبه ؛ بل ما يقتضي العقل قبحه كنحو الصلاة والصيام إلى ما شاكل ذلك ، وأن يحرموا ما تقرر في العقل حسنه ، كالمنافع واللذات ، وأن يبيحوا ما يحظره العقل ، كذبح البهائم إلى ما شاكله ، وذلك مخالف لما في العقول . وإنما يجوز من « 2 » الحكيم أن يبعث رسوله بما لا يخالف ما يجرى مجرى الشاهد ؛ لأن الرسول ، وما يعلم من قبله ، مع العقل المرتب
هامش
( 1 ) في « ب » : « الشاق »
( 2 ) في « ب » : « في » .