تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
تأخير البعثة عن كمال العقل ، فقد يجوز تأخير تعريف مصلحة بعض الشرائع ، عن مصلحة ما قبله . وإنما زادت شبهة من يأبى نسخ الشريعة من جهة تعلق تلك المصالح بالأدلة التي تعم وتخص ، ويختلف حكمها ، بورود ما يرد من النسخ عليها ، واحتجنا في مكالمتهم إلى حل هذه الزيادة من شبههم ، وإلا فالطريقة لا تختلف . ومتى عرف الإنسان كيفية المصالح ، وكيفية اختلافها في الأوقات والأعيان ، تبين فساد مذهب الفريقين ، وبعدهم عن معرفة طريقة التكليف . واعلم أن ورود الشرائع والمصالح على المكلف أشد مطابقة لما في عقله ومناسبة لما . يرد على المكلف من اختلاف الأمور التي تختلف بالعادات والتجارب . يبين ذلك أنّ ما يرد بالسمع يكون علما مقطوعا ، لأنه لا يجوز خلافه ، كما لا يجوز خلاف ما في العقول ، ولأن ما يرد بالسمع تكليف ، كما أن ما يرد بالعقل تكليف من قبل القديم وكشف العقل عنهما ، وعن وجوبهما ، وطريقة وجوبهما ، لا يختلف . ولذلك قلنا : إن أصل التكليف يقتضيه العقل ، كما أن السمع يقتضيه العقل . واقتضاؤه لهما لا يختلف . فإذا جاز ورود ما يخالف أحوال العاقل بالتجارب والاخبار ، وعلى طريقة الأمارات ، وغلبة الظنون « 1 » ، فبأن يجوز ذلك ، فيما هو أشد مطابقة أولى . وإنما وقع الخلاف في هذا الباب ، دون ما يعلم بالتجارب ، لأنه أبعد من الإلف ، ولأنه معلق بالاستدلال ، وإلا فالأمر فيه في القوة والمزيّة على ما ذكرناه . واعلم أن أهل العقول ، كما يطلبون تكميل المعرفة بالعادات من جهة الاخبار والاختبار والتجارب ، طلبا منهم إكمال مصالح الدنيا ، فقد يتفكرون في مصالح الدين في مثله . لكن أحد الأمرين قد مكّنوا من طلبه بأمور ناجحة راجعة إليهم وإلى أمثالهم ، والآخر لم يمكنوا منه إلا بالخروج عن عادة . فصار أحد الأمرين مطلوبا بالأمر المعتاد ، والآخر مطلوبا بالخارج عن العادة . فلذلك ما دخلت الشبهة في هذا الباب . وإذا فكر العاقل ، وعلم أن ما يتعلق بالعادة طريقه الظنون ، وما يتعلق بنقض العادة طريقه العلم
هامش
( 1 ) في « ب » : « الفنون »