العقل ، فيما نعلم فيه تفصيله ، إلا متناقضا ؛ وفي ذلك قلب نفس العقل . وإنما يروم القوم أن يقدحوا في غير العقل طلبا لسلامة العقل . فإذا أداهم قولهم إلى القدح فيه فقد بلغ فساد ما قالوه النهاية .
وبعد ، فإن بعثة الرسل على طريق المصلحة هو « 1 » بمنزلة إنزال المرض بالمكلف على هذا الوجه . فإذا وجب عند إنزاله اعتقاده ، واعتقاد كونه علاجا ، ولم يوجب ذلك نقض ما في العقول ، بل وافق ذلك - لأنه قد تقرر في العقول أن ذلك كان « 2 » صلاحا للمكلف - فلا بدّ من أن يفعله القديم تعالى . فكذلك القول [ في البعثة « 3 » ] .
قال شيخنا « أبو عليّ » رحمه اللّه ، لهم : ألستم تقولون فيمن يدّعى النبوة أنه يجب تكذيبه بالضد مما نقول في وجوب تصديقه ؟ فلا بدّ من « نعم » .
قال : أفكان تكذيبه واجبا قبل ادعاء « 4 » الرسالة أو كان يقبح ؟ فلا بدّ من القول بقبحه .
قال : فيجب على « 5 » قولكم تناقض العقل ؛ إذ قد وجب ، من تكذيبه ، ما لم يكن واجبا في العقل من قبل . فإن كان ذلك غير مخالف للعقل ، وغير ناقض له ، فكذلك القول في وجوب تصديقه عندنا .
وبيّن أن التصديق إنما يصح ، وقد وقع الخبر ، كما أن التكذيب إنما يصح بعد وقوعه ؛ لأن ما لم يوجد من الخبر ، كما لا يكون كذبا ، لا يكون صدقا .
فإن قالوا : إن التكذيب ، ولما وقع الخبر ، لا يصح ، قلنا بمثله في التصديق .
ومتى قالوا : قد عرفنا بالعقل ، في الجملة ، تكذيب من هذا حاله ، لو ادعى الرسالة ، فلا يكون وجوب التكذيب ، له على التفصيل ، ناقضا لما في العقول ؛ قلنا بمثله في التصديق .
هامش
( 1 ) في « ب » : « وهو » .
( 2 ) سقطت من « ب »
( 3 ) ما بين المعقوفتين سقط من « ب »
( 4 ) في « ا » ، « ب » : « ادعا »
( 5 ) في « ب » : « إذا »