العقل قد اقتضى ألا يجب تصديقهم ، وبعثتهم ، عندكم ، تقتضى وجوب تصديقهم .
واقتضى العقل قبح اعتقاد ذلك ، والسمع اقتضى وجوبه . فكان « 1 » الرسول المبعوث ، في أول أمره ، أوجب علينا خلاف ما في العقول ، فكيف يصح القول بأن الحكيم يبعث الرسل وحالهم هذه ؟
واعلم أن الأصل الّذي ذكروه صحيح ، وإنما الخطأ العظيم منهم ، فيما بنوه على هذا الأصل ، ظنهم أن بعثة الرسل تخالف ما في العقول ، أو أن الشرائع التي معهم مخالفة لما في العقول ؛ لأن هذا القول منهم قد دلّ على أنهم لا يميزون بين ما يخالف ويتناقض وبين ما يأتلف ويتفق ؛ بل دلّ ما أوردوه على جهلهم بالأمور المشاهدة والمعلومة من جهة التجربة ؛ لأن كل الأمور المختلفة بالعادات يتأتى هذا القول فيها . فلو أن قائلا قال : إن علمكم بالنهار الّذي أنتم فيه ، ينقض العلم بورود الليل [ وعلمكم ] بالشتاء ينقض العلم بورود الصيف ، وعلمكم بصغر الأمر ينقض علمكم بأنه سيكبر ، وعلمكم بالشباب ينقض العلم بالهرم - لكان « 2 » موردا على العقل ما ينقضه العقل . وإذا كان العقل سليما وجب ، بسلامته ، سلامة هذه العلوم . وإنما كل ذلك لأن علمنا بأن لا ليل ، في حال النهار ، هو علم بوقت مخصوص ، وإذا أتى الوقت الثاني ، وجب العلم بأنه ليل ولا نهار . وذلك في الوقتين لا يتناقض ، ولا في المكانين ؛ وإنما يتناقض في وقت واحد ؛ لأنه لا يستحيل كون المحل أسود بعد بياض ، ولا كون أحد المحلين أسود ، مع كون الآخر أبيض .
فإذا صحت هذه الجملة ، وكان « 3 » العاقل يعلم ، قبل البعثة ، أنه ليس برسول ، فإنما يتناقض ذلك والوقت واحد ، والعين واحدة ، والمضاف إليه واحد . فإذا افترقت هذه الوجوه فلا تناقض فيه . ولذلك لا يصح أن يكون مبعوثا ، في وقت مخصوص ، إلى
هامش
( 1 ) الربط بين الجملتين غير واضح ، ولعل السياق يتسق إذا كانت : فكأن . .
( 2 ) هذا هو جواب شرط « فلو أن قائلا قال » .
( 3 ) في « ب » : « كان » .