تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
يعرى ذلك من كلفة ومشقة . فإنما يلزم المكلف من الأمرين ما يعرفه بعقله . فمن أين أن البعثة واجبة ؟ وقد بيّنا في بعض المسائل أن شكر النعمة لا يجب أن يكون بحسب إرادة المنعم ، لأنه كان يجب في الشاهد ، أن يكون هذا حاله ، وكان يجب إذا أراد المنعم إسقاط الشكر أن يسقط ؛ وإذا أراد أن يفعل القليل ، والنعمة كثيرة ، أو الكثير ، والنعمة قليلة ، ألا يجب إلا كذلك ؛ وإذا أراد أن يفعل الشكر بالمشقة العظيمة أن يجب كل ذلك . وفساد ذلك ظاهر ؛ فلا يصح التعلق « 1 » بهذا الوجه في بعثة الأنبياء ، عليهم السلام .

فصل في بيان شبه البراهمة وذكر أجوبتها

[ شبهة ]

قالوا : قد ثبت أن العلوم لا تتناقض ، ولا تختلف ؛ لأن ذلك يوجب فيها قلب جنسها ، وإلحاق بعضها بالجهل . وكما أن العلوم لا تتناقض ، فكذلك الأدلة ؛ لأنها طرق العلوم . فلو تناقضت ، واختلفت ، لأوجب ذلك تناقض العلوم ، ولأوجب ألا يوثق بها وبالعلوم . ولو لم يوثق بها لم تسكن النفس إلى معلوم ولا علم ، ولوجب ، من ذلك ، صحة مذهب السوفسطائية . ولا فرق بين العلوم الضرورية والمكتسبة ، أو أحدهما مع الآخر ، في استحالة الاختلاف والتناقض فيها . ولولا صحة هذه الجملة لم تثبت « 2 » في الأدلة شبهة ، ولا توجهت عليها مطاعن ؛ لأنه كان لا يمتنع صحة كلا الأمرين . وإنما يستقيم ذلك على هذا الأصل . فإذا صحت هذه الجملة ، وعلمنا أن بعثة الرسل تقتضى تعرّف أمور من قبلهم مخالفة لما في العقول ، / لأنكم قد دللتم على أنه تعالى لا يجوز أن يبعثهم بنفس ما في العقول ، على طريق التأكيد ، أو التنبيه والتحذير ، فيجب أيضا فساد القول ببعثتهم ؛ لأن بعثتهم تتضمن مخالفة العقول . والبعثة هي طريقة المعرفة ، والعقل هو العلوم ؛ فكيف يصح أن يخالف أحدهما الآخر ولو لم يكن من الاختلاف إلا أن
هامش
( 1 ) في « ب » : التعليق . ( 2 ) غير منقوطة في « ا » ، « ب » ونرجح أنها تثبت .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 109 | القاضي عبد الجبار الهمذاني