/ وأما قول بعضهم إنه لا بدّ من حجج في الزمان تعلم من جهتهم الأخبار عن الأمور الماضية من المعجزات وغيرها ، على اختلاف مذاهبهم في ذلك ، فسنتكلم عليه عند الكلام في الأخبار ؛ لأنه به أخص ؛ وإن كان الّذي يريدون ، بهذا القول ، أنهم ممن يصدقون في الأخبار ، ولا يجوز الخطأ عليهم ؛ فيعلم من جهتهم ما يخبرون به « 1 » على بعض الوجوه ، فليس ، لذلك ، تعلق ببعثة الرسل .
فأما من يقول بوجوب بعثة الرسل لوجوب القيام بشكر المنعم ، الّذي هو اللّه تعالى ، وإنه إذا أمكن أن يكون واقعا بوجوه من الأفعال ، ولا يعلم مراد المنعم ، فالواجب ألا ينفك المكلف من رسول يعرّفنا كيفية الشكر ، فبعيد ؛ لأنّنا قد بيّنا أن المكلف يعرف ، بعقله ، وجوب شكر المنعم ؛ وبأدلة « 2 » العقل ، إذا نظر وفكر ، يعرف وجوب شكر نعم اللّه تعالى ؛ وأن الّذي يلزمه أن يفعله في ذلك الشكر بالقلب ؛ وإنما يلزم باللسان في حال دون حال ؛ وأنه يلزم القيام بما ألزم ، واجتناب ما قبح في العقل . وكل ذلك يمكنه أن يعرفه بعقله ، ولا يلزمه سواه . قمن أين أن البعثة واجبة ؟
فإن قال : تجب لتعرف العبادات اللازمة على طريقة الشكر في العقول « 3 » .
قيل له : قد بيّنا أنها إنما تلزم إذا كانت مصلحة . ولذلك تختلف أحوال المكلفين فيها . وقد يجوز ألا تكون مصلحة ، ويكون المكلف قائما بالواجب من شكر النعمة .
فإن قال : أليست العبادات تجب ، كما يجب الشكر ؟
قيل له : لسنا نقول ذلك ؛ بل نقول إن الشكر يجب لأجل النعمة ، والعبادة إنما يحسن منه تعالى إيجابها تعريفا للمنزلة العالية في الثواب . فإن كان في الشكر مشقة فهو كالعبادة في هذا الوجه ؛ وإن كان لا مشقة فيه فهو مخالف لها . فأما العبادة فلا بد فيها من مشقة ؛ لأنها تقع على طريقة الخضوع والتذلل للمعبود ، ولا يكاد
هامش
( 1 ) سقطت من « ب »
( 2 ) في « ب » : « وأدلة »
( 3 ) في « ب » : بالعقول .