وإنما منعنا منه تعالى أن يعرف اللغات وغيرها ، على طريقة الاستدلال ولا مواضعة ، لأنه لا دليل يمكن التعريف به إلا ذلك . والاضطرار إلى قصده ، مع تكليف المعرفة بذاته لا يصح . وهذه الطريقة لا تمنع من صحة المواضعة فينا ، لأن أحدنا يصح أن يضطر إلى قصد صاحبه عند الحركات والإشارات ، فيصير ذلك سببا للمواضعة ، ثم بعد تقدم أصولها ، تمكن المواضعة على الفروع ، وعلى ما يلطف منها ، مما لا يمكن تثبيته بالإشارات . وهذا متعالم عند العقلاء . ثم إذا اختبرت الأحوال فيما يريدون المواضعة عليه من كتابة وتصحيف وترجمة إلى غير ذلك من الأمور ؛ وإذا جاز أن تعرف [ المطاعم والملابس « 1 » ] على اختلافها وسائر طرق المنافع بالعادات والتجارب على الأوقات [ والأحوال « 2 » ] فما الّذي يمنع من مثله فيما ذكرناه من المواضعات ؟ ولم ينقض القول على من زعم ، في اللغات ، أن استعمالها لا يجوز أن يكون عن « 3 » توقيف ، كما أن وضعها لا يكون إلا بتوقيف ؛ لأن ما قدمناه قد أعفى عنه في الجملة ولأن الكلام في هذه المسألة طرف من الكلام في الحظر والإباحة .
وقد بينا فساد قول من خالفنا في هذا الباب . فما الّذي يمنع من أن يحسن إجراء « 4 » الأسماء على المسميات عند الحاجة ، واستعمال الأوصاف إلى غير ذلك ؟ لأن ما فيه نفع ، ولا مضرة فيه البتة ، يحسن من أحدنا فعله على حسب ما ذكرناه في التصرف بالحركات ، والأكل ، والشرب ، والتنفس في الهواء ! فالتعلق « 5 » بذلك بعيد .
وأما من قال : إنه لا بدّ من حجة ، في كل زمان ، من رسول ، أو إمام ليكمل ما يعلم في العالم من النقصان ، ويكون معصوما لا تجوز عليه الأمور الجائزة من غيره . من سهو ، وخطأ ، وغفلة « 6 » ليتكامل التكليف فيزول ما يخشى من الخلل فيه - فسنتكلم عليه عند الكلام في الإمامة ، لأن الكلام عليه هناك أخص .
هامش
( 1 ) في « ب » : الملابس والمطاعم .
( 2 ) في « ب » : « على الأحوال » .
( 3 ) في « ب » : « عند »
( 4 ) في « ا » « اجرآ » وفي « ب » « اجرا »
( 5 ) في « ب » « فبالتعليق » .
( 6 ) سقطت هذه الكلمة في « ب »