وإن قلتم : بأن يعلم ذلك باضطرار ، فذلك لا يصح ، عندكم مع التكليف .
فإن قلتم : باستدلال ، فلا دليل يدل على ذلك إلا المعجز ، والمعجز لا يصح أن يظهر ، ولا نبىّ ؛ وذلك يمنع من علم الرسول بالرسالة الواقعة من قبله تعالى .
وإذا شرطتم علمه بذلك في كونه رسولا - وذلك لا يصح - فيجب ألّا يصح فيه تعالى أن يرسل أحدا .
قيل له : إن الرسالة لا يعتبر فيها أن تكون معلومة من جهة المرسل فقط ؛ لأنها إن علمت من جهته ، أو علمت من جهة رسوله المتحمل الرسالة إليه ، فالحال واحدة ؛ فلا فرق بين أن يحمّله تعالى الرسالة ، أو يبعث إليه بالرسالة رسولا ، في أنه ، في الحالتين ، يكون رسولا للّه تعالى . ولا يجب في الرسول الثاني أن يكون رسولا للأول ؛ بل يجب أن يكون رسولا للّه تعالى ، كما أن أحدنا إذا عرف أمره تعالى ، بواسطة ، لم يخرج من أن يكون مأمورا للّه تعالى ، كما يكون كذلك لو عرف أمره بلا واسطة .
والكلام فيما به يعلم أن الرسالة من جهته تعالى عند الكلام فيما قصدنا بيانه ؛ لأنه ، إن علم ذلك باضطرار أو استدلال بالمعجز وغيره ، لم يتغير الحكم فيما ذكرناه .
وكذلك القول ، في أن الرسالة الواقعة منه ما صفتها ، لا يدخل فيما أردنا بيانه . وسيجيء القول فيه من بعد .
فإن قال : إن كان الرسول إنما يوصف بأنه رسول اللّه ، لما ذكرتموه ، فينبغي أن يكون من أدّى عن اللّه تعالى ما أمره أن يؤديه أن يكون رسولا له تعالى ؛ وهذا يوجب في كل من يعلم ، ويهدى ، ويبيّن ، أو يؤدى شريعة ، أن يوصف بذلك ، وألّا يخصّ ، بهذه الصفة ، الأنبياء عليهم السلام .
قيل له : إنه لا يصير رسولا ، بأن يلزمه أن يؤدى من جهة التعبد ؛ لأن بعض الأمراء ، لو حمل غيره رسالة في إزالة ظلم عظيم ، للزم غيره ، ممن سمعه ، أن يؤديه إلى من يعلم أنه يسرّ به ، أو تزول عنه مخافة ولا يجب أن يكون رسولا . [ وإن لزمه ذلك وقد يكون رسولا ] « 1 » وإن لم يلزمه أداء الرسالة إذا حسن ذلك منه . وإذا ثبت ذلك
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفتين يوجد بالهامش .