فأمّا « أبو هاشم » رحمه اللّه ، فإنه يبطل حاجة اللغات إلى التوقيف ؛ بل يقول إن القول بأن أصولها مأخوذة من التوقيف يستحيل ؛ لأن التوقيف / في تعليم الأسماء والصفات لا يصحّ أن يرد على وجه يعرف به المراد إلا والمواضعة على بعض اللغات قد تقدمت ؛ ومتى لم تتقدم استحال ذلك . ويقول : إن تعليم اللّه تعالى آدم الأسماء لا يصح إلا وقد عرّف ، مواضعة ، على لغة الملائكة ، ثم وقعت المخاطبة بها ، فعرف عند ذلك ، ما عرّفه اللّه تعالى .
ويقول : ولا يمتنع أن يعرف العقلاء حاجتهم إلى تعريف الغير المرادات ، وقد علموا ، باضطرار الآلة التي يصح النطق بها ، وميّزوها من غيرها ، وعلموا ، بالتجربة والاتفاق ، اتساع حالها ، فيم يمكن فيها من النطق بالحروف المنظومة والأصوات المقطعة « 1 » ويعلمون كيفية المواضعات . فعند ذلك ، على الأوقات ، تقع منهم المواضعة بالإشارات « 2 » لأنها إذا تكررت عندها المقاصد ، فيصح أن يقع التواطؤ عنده . وإذا تؤمل ذلك عرف إمكانه ، على حسب ما نجد الطفل ينشأ عليه ، فيتعلم لغة والديه ، إذا تكررت منهما الإشارات . ومعرفة العاقل بهذه الأمور أبلغ . فبأن يمكنه معرفة المواضعة أولى على هذه الطريقة . فكيف يصح ، فيما يمكن فيه هذا الوجه أن يقطع على أن طريقه السمع ؟
وبعد ، فلو لم يكن ذلك منه كان لا يمتنع أن يضطر تعالى البعض إلى مرار البعض ، ويضطرهم إلى الكلمات التي يتواطئون عليها ، فتتم منهم ، على هذا الوجه ، المواضعة على اللغات ، ثم « 3 » يخاطب القديم تعالى بما شاء من هذه اللغات . فكيف يصح ، مع إنكار ذلك ، أن يدّعى أنه لا يثبت إلا بالتوقيف ؟
وبعد ، فلو لم يمكن ذلك أصلا ما الّذي كان يمنع من خلو التكليف العقلي منه ، بألا تكون لهم هذه الآلة أصلا ، وتتكامل عقولهم و « 4 » معرفتهم ، أو بألا يتواضعوا إلّا على إشارة أو ما يجرى مجراها ، أو أن يخلق الانفراد في هذه الأماكن ويكلفهم ؟
هامش
( 1 ) في « ب » : « المقطة » .
( 2 ) في « ب » : « على الإشارات »
( 3 ) في « ب » : « بما »
( 4 ) في « ب » : « أو » .