تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
يكلف الأفعال العبد ؟ وما يحصل العبد « 1 » ملجأ إليه من التصرف يقع منه للإلجاء . وما عدا ذلك يكف عنه لما ذكروه . وقد صحّ أن التكليف يتم دون الّذي قالوه ، لو سلمناه أنه لا يعلم إلا سمعا « 2 » . وبعد ، فلا فرق بين من قال ، في هذه المباحات ، إنها لا تعلم إلا بالسمع ، وحالها في العقل ما قلناه ، وبين من قال ، في سائر التعليقات ، وإن تقرر في العقل معرفة أحكامها ، وإنها لا تعلم إلا بالسمع ؛ وذلك يوجب أن التكليف العقلي لا ينفك من السمع في كل وجه . وقد بيّنا فساد ذلك . فإن قال : هلّا قلتم : إنه لا بدّ من بعثة الرسول في أحوال التكليف أجمع ، من جهة أنهم لا يعرفون من اللغات التي لا تعلم إلا بالسمع ، لتعذر المواضعة عليها أو على أصولها ، فلا بدّ ، في تعرّفها ، من بعثة الرسل خصوصا على ما قاله « أبو عليّ » ، رضى اللّه عنه ، من أن هذه اللغات أصلها التوقيف ؟ قيل له : إنه يستدل بحصولها على أنه لا بدّ من توقيف متقدم ، لا أنه يقول بوجوب السمع لأجلها ؛ بل عنده أن الرسل تجب فيهم البعثة لغير ذلك . وإن صحّ أن يعرفوا ذلك أيضا فعلى قوله يستدل باللغات على تقدم البعثة ، ولا يستدل بها على وجوب البعثة ، ولا يستدل بالبعثة ووقوعها على اللغات ، وكلامه محتمل ، لأنه ربما اعتمد ، في إضافة ذلك إلى التوقيف ، على قوله تعالى :
« وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها »
« 3 » ؛ فيثبت ذلك من جهة السمع ، لا أنه يوجبه عقلا . وربما مرّ في كلامه ما يدل على تعذّره من جهة العادة ، على ما يذهب إليه بعض شيوخنا من البغداديين . والأول أولى بمذهبه ؛ لأن عنده أن ذلك قد يصح حصوله من جهة الاضطرار إلى المقاصد .
هامش
( 1 ) في « ب » : « للعبد » . ( 2 ) في « ب » : سقطت هذه الكلمة ( 3 ) سورة البقرة - آية 31 :« وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ ، فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ».