ما خلقه فلم صار بأن يخلق هذا أولى من أن يخلق ذلك ، وهذا يوجب أن يخلق ما لا نهاية له ، وألا يتقدم خلقه في الوجود إلّا بوقت واحد ، ولا مخلص لكم من ذلك إلا بأن تقولوا إنه تعالى لا يقدر على ما خلقه إلّا في وقت ما خلقه ، ولا يقدر إلّا على القدر الّذي خلقه ، وهذا يوجب تعجيزه تعالى ، ويوجب كونه قادرا بقدرة ، ويوجب إثبات قدر لا نهاية لها ، وإبطال كونه قادرا ، فيجب إذا فسد ذلك أن يبطل إثبات الصانع أصلا ؛ من حيث بطل القول بأنه يخلق الخلق لحسنه ؛ كما بطل أن يخلق الخلق لعلة .
قيل له : إنّ علم الفاعل بحسن الشيء لا يقتضي وجوب فعله له لا محالة ، وإنما يقتضي أنه قد يختاره لأجل ذلك ، ويحسن منه اختياره لأجله ، وما حسن لأجله اختيار الشيء وكان داعيا إلى اختياره لم يجب اطّراده حتى يجب اختيار « 1 » كل ما شاركه فيه ، كما لم يجب اختيار الأول لأجله ، وإنما يصح كونه داعيا إلى الاختيار ، وذلك مما يحبّب إليه ، ولا يؤدى إلى فساد ؛ لأن الدواعي لا يجب كونها موجبة ، وإنما تقتضى أن يكون ذلك الفعل بأن يختاره القادر أولى من غيره ، وذلك يبطل ما سأل عنه ، ويجوز كونه تعالى خالقا الخلق لينفعهم ، وإن خلقهم في حال دون حال ، أو خلق قدرا دون قدر . وإذا / بطل ما اعترض به على إثبات الصانع ، وبطل بما قدّمناه القول بأنه يخلق الخلق لعلة لم يبق بعدهما إلّا ما ذكرناه ، ويفارق فعله الشيء لحسنه فعله الثواب لوجوبه ؛ لأن الواجب لا بدّ من أن يفعله ؛ لكونه عالما غنيّا ، وليس كذلك ما يحسن ولا يجب ، ولذلك قلنا : إنه لا يجب أن يختار القبيح لكونه عالما غنيّا ، ولا يجب مثله في الحسن ، بل قد يجب أن يختاره وألا يختاره ، وكل ذلك يبين فساد ما سأل عنه ، وقد بينا في أول باب العدل إبطال قولهم :
إن الغنى عن الفعل العالم بأنه غنىّ عنه لا يختاره وإن كان حسنا ، وإنما يختار ذلك المحتاج إليه أو من يقدّر أنه محتاج إليه ، وأن ذلك يؤدّى إلى ألّا يقع من القديم تعالى فعل
هامش
( 1 ) في الأصل : « لاختيار » .