تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
فإن قال : هلّا قلتم إن العلة في حدوث الخلق ليست بحادثة فلا يلزم إثبات ما لا يتناهى . قيل له : لو لم تكن حادثة لكانت معدومة أو قديمة ، وقد بينا أن المعدوم لا يختصّ بالمعلّل على وجه يوجب حالا له دون غيره ، فلم صارت وهي معدومة بأن توجب حدوث ما حدث بأولى بأن توجب حدوث ما سواه ؛ ولأن المعدوم لا أول لعدمه ، فلو أوجب حدوث الشيء ووجوده لوجب كونه موجودا لا أول لوجوده ، وذلك ينقض حدوثه . ولا يصحّ إثبات قديم بأن يقال : إنه علّة في حدوث الأشياء ، ولأن كونه علة في حدوثها يوجب إبطال حدوثها وكونها قديمة . وبعد ، فإن ما خلقه وأحدثه لو كان حادثا لعلّة لنقض ذلك / كونه حادثا بالفاعل ؛ لأن ما وجب وجوده للعلّة استغنى في وجوده عن القادر ؛ كما أن ما وجد من جهة أحد القادرين يستغنى في وجوده من جهته عن القادر الثاني . وقد ثبت أنه تعالى قادر فاعل مختار ، فيجب إبطال ما يؤدّى إلى نقض ذلك فيه . وليس له أن يقول : إذا جاز أن يكون تعالى قادرا لم يزل ، وإن لم يصح أن يفعل في الثاني والثالث كالقادر منّا ، فهلّا جاز أن يخلق الخلق لعلة موجبة وإن تقدمت خلق ما يخلقه ، وتفارق العلل في الشاهد . وذلك لأن من حق القادر أن يصحّ الفعل منه على الوجه الّذي يصحّ وجوده عليه ؛ لأن الإيجاد من جهته كالفرع على صحّة وجوده في نفسه ، ولذلك نحيل كونه قادرا على الشيء إذا استحال وجوده في نفسه . وهذه القضيّة مستمرة في الشاهد والغائب ، فلذلك أثبتناه تعالى قادرا لم يزل . وإن استحال وقوع الفعل منه على وجه يصح وصفه بأنه في الثاني أو في الثالث ولا ينقض ذلك كونه قادرا ، كما يصحّ أن يقدر أحدنا على ما يفعله بعد سنة ، وإن استحال وجوده في الأمقاط قبله ، ولا ينقض ذلك كونه قادرا . وليس كذلك العلّة ؛ لأن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 94 | القاضي عبد الجبار الهمذاني