لأن ذلك يؤدّى إلى أن يزول العقاب بكل واحد منهما وأحدهما في ذلك يغنى عن صاحبه .
يبيّن ما قدّمناه أن الطاعة العظيمة لمّا استحقّ بها الثواب لم يجز أن يستحقّ بها إزالة العقاب إلّا بأن يجعل بدلا من الثواب على جهة التكفير . والتوبة لمّا استحق بها إزالة العقاب لم يستحقّ بها غيره ، فلو استحقّ بالآلام إزالة العقاب لم يستحق بها سواه . وكان من حق هذا الكلام أن يذكر في كتاب العوض ، لكنه عرض الآن فذكرنا طرفا منه ، وسنستوفى باقيه هناك إن شاء اللّه .
وقد يحسن من الواحد منا / الفعل لكونه داعيا له إلى فعل آخر من واجب أو غيره ، وذلك لا يحسن منه تعالى ؛ لأنه من حيث كان عالما غنيّا يجب ألّا يختار فعل القبيح وأن يختار فعل الواجب ، وإذا وجب ذلك فيه لم يحتج إلى شيء من الألطاف ليكون داعيا له إلى [ عدم ] اختيار قبيح وفعل واجب ، وإنما يفعل تعالى الألطاف لغيره لا لنفسه ، تعالى عن ذلك . وهذا الوجه يعود في التحقيق إلى ما تقدم ؛ لأن أحدنا إنما يجب عليه اللطف ليدفع به الضرر عن نفسه من حيث لو لم يفعله لاستحق العقاب ، من حيث كان يختار القبيح والإخلال بواجب ، فصار اللطف من حيث يقتضي ألا يفعل ذلك في حكم ما يزيل به عن نفسه العقاب مع ما يستحقّ عليه من الثواب . وقد بينا أن هذا الوجه لا يصح عليه تعالى .
وكل فعل يحسن منا لغلبة الظن فإنه لا يتأتّى فيه تعالى ؛ لأنه عالم لنفسه بجميع الأمور ؛ فلا يصحّ عليه الظنون البتّة ، فلذلك فارق حاله حالنا . وليس لأحد أن يقول :
إذا حسن منه أن يأمر بالشيء لغلبة الظنّ فهلّا حسن منه فعله ، لأنا قد بينّا استحالة الظنون عليه . ولهذه الجملة قال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه : إن كل فعل تعبّد به تعالى العبد مع غلبة الظن فلو فعله سبحانه لم يحسن أن يفعله إلّا مع العلم بالأمر الّذي
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 89
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٩