العقاب في المظلوم إذا كان من أهل النار فما الفرق بين أن يستحقّ بالألم النفع أو يستحقّ به إزالة العقاب بقدره ، وهذا يوجب القول بأنه يحسن منه تعالى أن يؤلم لإزالة المضار كما يحسن منه ذلك لأجل الأعواض .
قيل له : إن المراد بما قدّمناه أنه لا يحسن منه تعالى أن يؤلم لإزالة المضارّ التي تنزل بالعباد في دار الدنيا ، على حسب ما يحسن من المرء تكلّف المشقّة لإزالة المضرة ؛ لأنه تعالى إذا قدر على تخليص الغريق من غير مضرة لم يحسن أن يضر به ليخلّصه من الغرق ؛ كما يحسن من الواحد منا أن يخلّصه بكسر يده إذا لم يمكنه تخليصه إلّا به ، ولم نقصد إلى ذكر ما سألنا عنه ، وإن كنا لا نفصل بينه وبين ما ذكرناه في الحكم ، وذلك لأن ما يستحقّ بالآلام يجب أن يكون محمولا على ما يستحقّ في الشاهد بها ، وقد علمنا أن من أضر بغيره لا يستحقّ عليه في بدله إلا المنافع دون إزالة المضار ، فكذلك يجب فيما يفعله تعالى ، وإنما يحسن أن يجعل / بدل « 1 » المضرة إزالة المضار في الشاهد على وجه التراضي .
فأما أن يكون هو المستحق في الأصل فبعيد ، وإذا ثبت ذلك وجب مثله فيما يفعله سبحانه .
ولا يبعد عندنا أن يستحق على الألم منافع ، ثم يستحقّ العقاب ، فيصير العوض جزءا من عقابه ، ويصير إزالة العقاب بدلا عن المنافع ، لا أنه المستحق بالآلام ، لأن المستحق بالآلام لا يختلف فيمن يستحقّ العقاب والثواب ؛ لأن اختلاف حالهما في ذلك لا يغير حال ما يستحقّ بالألم ، فلو كان المستحق به إزالة العقاب فيمن يستحقّ العقاب لوجب أن يكون هو المستحق في غيره ، فبقى بطلان ذلك دلالة على أن المستحق به هو المنافع على ما ذكرناه . يبين ما ذكرناه أن من حق التوبة أن تزيل العقاب ويستحقّ به ذلك ، وإذا أزال به العقاب لم يجز أن يكون ما تقدم من الألم يستحقّ به إزالة العقاب ؛
هامش
( 1 ) في الأصل : « بدل » .