فصل في وجوه الحسن التي تصح في أفعالنا أو تحصل فيها دون أفعاله جلّ وعزّ وما يتصل بذلك
اعلم أنه قد يصحّ فيما نفعله وجوه حسن لا تصحّ عليه تعالى ؛ لأن الواحد منا قد يفعل الفعل لينتفع به ، ويدفع عن نفسه به مضرّة عاجلا أو آجلا ، وذلك مستحيل عليه ؛ لأن المنافع لا تصحّ عليه ، من حيث كان غنيا على ما بيناه من قبل ، فلا وجه لذكر ذلك في أفعاله ، وهذا في بابه بمنزلة الفعل الّذي يصحّ منا أن نفعله في أبعاضنا ويستحيل ذلك عليه لاستحالة كونه حسنا ، وبمنزلة صحّة الإشارة منا في الخطاب واستحالته عليه ؛ لأن الآلات لا تصحّ عليه . ويحسن من الواحد منا الفعل ليدفع به عن غيره ضررا ، وإن كان الفعل مضرة ؛ لأن دفع الضرر العظيم باليسير حسن ، وربما بلغ من حاله أن يكون الإنسان ملجأ إلى فعله إذا كان ذلك الضرر مما يدفعه عن نفسه أو من يجرى مجراه ، كالولد وغيره ، وهذا الوجه لا يصحّ في فعله تعالى ؛ لأن ماله يحسن من الواحد منا ذلك هو أنه لا سبيل له إلى دفع الضرر العظيم إلا بالضر اليسير ، والقديم تعالى فهو قادر على دفع المضارّ عن العبد من دون إنزال المضرة به ، وإذا لا يحصل فعله على الوجه / الّذي يحصل منا ، بل حاله تعالى كحال الوالد إذا أمكنه دفع الضرر عن ولده من غير إنزال مضرة به ، فكما أنه [ لا « 1 » ] يقبح منه ذلك فكذلك القديم سبحانه .
فإن قيل : إذا حسن منه تعالى أن يلزم العبد ما يشقّ عليه لكي يدفع عن نفسه المضرة العظيمة وإن كان قادرا على إزالتها كالتوبة ، فهلّا جاز أن يضرّ به ويؤلمه ليدفع عنه من المضارّ ما يوفى عليه . قيل له : قد بينّا أن العبد يحسن منه دفع الضرر العظيم بما هو دونه ،
هامش
( 1 ) زيادة يقتضيها السياق .