فإذا صحت هذه الجملة ، فلا بد من أن نذكر فيما قدمناه من الأقسام انتفاء وجوه القبح عنه . ولا يخرج شيء من أفعاله عن الوجوه التي قدمناها ؛ لأن سائر ما يفعله بالحىّ من حياته وعقله وتمكينه إنما يحسن أن يفعله لينفعه به . وكذلك القول في سائر الجمادات على اختلافها في الوجوه التي يصحّ الانتفاع بها . وكذلك القول في التكليف والآلام :
إنه تعالى إنما يحسن أن يفعلهما لينفع بهما . وقد بينّا من قبل أن ما أدّى إلى النفع واللذّة فهو نفع في الحقيقة ، وإن كان ألما ، كما أن اللذّة المؤدّية إلى الهلاك تكون ضررا ، وإن كانت لذّة ؛ فإن للعاقبة في هذا الباب تأثيرا ، فليس لأحد أن يمنع من كون الألم والتكليف نفعا ، بأن يبين كونهما شاقين مؤلمين في الحال فأما العقاب وإعادة المعاقب لأجله فإنما يحسن لكونه مستحقا ، ولأن يفعل به المستحق ، لأن كون العقاب مستحقا يقتضي حسنه إذا لم يعرض فيه وجه قبح ، وإذا حسن فعله بالحىّ حسن خلق الحىّ لأجله ، لأن التوصل إلى فعل المستحق يحسن كما أنه بنفسه حسن .
فأما الثواب فإنما يحسن منه لأنه نفع في الحقيقة فيخلقه لينفع به غيره ، وإن كان من حيث كان مستحقا يصير واجبا .
فأمّا خلق الحي فإنما يحسن لينفعه وقد يجتمع فيه أن يخلقه لينفعه وينفع به جميعا . وذلك صحيح في البهائم وغيرها ، فقد يصح في المكلف أيضا ذلك على بعض الوجوه .
فأمّا الإرادة فإنما تحسن منه لأنها إرادة لهذه الأفعال التي تحسن للوجوه التي ذكرناها .
فأما إرادته / بعض أفعال العباد وكراهته لبعض فإنما يحسنان لأنه ينفع بهما المكلف لأنهما يجريان مجرى الدلالة أو اللطف . ولذلك قلنا إنه لا يحسن منه تعالى أن يريد المباح أو يكرهه أو أفعال البهائم .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 85
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٥