يتوقعها في المستقبل ، أو هي نازلة في الحال ، أو ليجتلب به منفعة على وجه التراضي ، وذلك لا يصحّ في القديم تعالى ؛ لأن العبد إذا حمّله مشقة لدفع الضرر فهو تعالى قادر على إزالة المضرة عنه من دون أن يكلفه ذلك ، وليس يصح فيه تعالى أن ينتفع بعمله ، فيكون إلزامه ذلك عبثا لا فائدة فيه ، وإن كان إلزامه لكي ينفعه في المستقبل فهو قادر على إيصال ذلك إليه من غير إلزام ذلك ، فيجب أن يقبح منه تعالى أن يلزمه ذلك على كل حال ؛ هذا ، وقد ثبت أن إيجاب / ما ليس صفته الواجب يقبح منه تعالى ؛ كما يقبح منه إباحة القبيح . فكيف يصحّ أن يلزمه عملا لا يحسن له صفة الواجب .
فإن قال : إنما سألناكم عن حسن إلزامه ذلك للعبد برضاه ، وبشرط أن يعطيه بدلا على ما نجد حسنه في الشاهد ، قيل له : إن ما يحسن في الشاهد هو انتفاع من يشارطه على ذلك بعمله ، فأمّا لو لم ينتفع به لم يحسن منه ذلك ، وذلك لا يتأتى فيما يأمر به تعالى ، لأنه يتعالى عن جواز الانتفاع عليه ، فيجب ألا يحسن .
فإن قيل : جوّزوا أن يحسن ذلك منه للاعتبار ؛ والعوض ؛ كما يحسن منه الآلام على هذا الوجه ، قيل له : إن كان فيما يأمره به صلاح له في الدين فيجب أن يلزمه ذلك ، ولا معتبر بالتراضي في هذا الباب ، وإن كان صلاحا لغيره فلا يجوز أن يلزمه أن يفعل صلاح غيره ، والشرط في ذلك لا يؤثر ، بل يجب متى قبح هذا الأمر منه تعالى أن يقبح منه تكليف من لا يصلح إلا بهذا الفعل ، على ما نبينه في باب اللطف ، وليس لأحد أن يقول : إذا حسن منا فيمن يلي عليه أن نحمّله المشقّة إذا كانت عائدة عليه . بنفع عظيم ، فهلا جاز من اللّه تعالى أن يحمل العبد المشقة لغرض عظيم وإن لم يكن لطفا . وذلك لأنا قد بينا أن الواحد منا إذا لم يصل إلى منفعة نفسه أو نفع غيره إلا بالمشاقّ حسن منه تحملها بنفسه وإلزامها غيره ممن يلي عليه ، وليس كذلك حاله تعالى لأنه قادر على إيصال تلك المنافع
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 83
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٣