تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
وبعد ، فكان يجب ألا يلتذّ أحدنا على هذا القول بالنظر إلى الصور المؤنقة ، والاستماع للأصوات المطربة ؛ لأن ذلك ممّا لا يجوز أن يخلف الذاهب من جسمه ، وكل ذلك يبين بطلان مذاهبهم في حقيقة اللذّة ، وأنها ما قلناه من كونه مدركا لما يشتهيه ، ولذلك متى أدرك ما لا يشتهيه لم يلتذّ به ، فإذا أدركه مع نفور طبعه عنه ألم به . وقد بينّا أن ما يضره من الأطعمة التي يلتذّ بها إنما يضره لأنه لم ينل منها على الوجه الّذي اشتهاه ، بل نال معه غيره ، فصرفه إلى الضرر إنما يكون في أمور أخر ، وبينّا ما يذكرونه من أن الانتفاع بالدواء يخالف هذه الطريقة لأنه انتفاع بالعافية لا على الوجه الّذي ينتفع بالمأكول ، وتقصّينا ذلك من قبل .

فصل في بيان أقسام المنافع التي يحسن منه تعالى أن يخلق الخلق لها وما يتصل بذلك

اعلم أن المنافع على ضربين ، مستحق وغير مستحق ، فما ليس بمستحق هو تفضّل ، والمستحق على ضربين أحدهما يستحقّ على الوجه الّذي يستحقّ المدح ، وذلك مما لا يستحقه الحي منا إلا بفعله ، والثاني يستحق على الوجه الّذي يستحق القيم والأبدال في الشاهد ، وذلك مما لا يستحقّه الحىّ منا إلّا بفعل غيره به . ولا يحسن من القديم تعالى أن يخلق / الحي إلا لبعض هذه الوجوه من المنفعة . وليس لأحد أن يقول : قولوا في جميع المنافع : إنه واجب ؛ لأنه تعالى إذا لم يضره الإعطاء ولم ينفعه المنع فلا يجوز ألا يختار فعله مع كونه عالما غنيا . وذلك لأن ما نذكره في باب الأصلح يبيّن فساد هذا القول . وليس له أن يقول : إذا قلتم في العوض والثواب : إنهما بفضل من اللّه تعالى فكيف يصح أن تقولوا فيهما : إنهما مستحقان ، وذلك لأن الغرض الّذي نشير إليه بقولنا ، إنه