وقد علمنا أن الداعي غيره إلى الدين ، بأن ينبّهه على التفكّر فيما عليه ، هو كالملزم له أمرا شاقّا ، ومع ذلك يكون منعما عليه .
وعلى هذا الوجه عظمت نعم الأنبياء صلوات اللّه عليهم لمّا دلّوا على المصالح ، وعرّفوا أممهم الأمور اللازمة وإن كانت شاقة ، وكل ذلك يبين أن ما أدى إلى النفع قد يكون نفعا ؛ كما أن اللذة الحاضرة الخالصة من الشوائب تكون منفعة .
فأمّا السرور فإنما يكون منفعة من حيث يتعلّق باللذة ؛ لأنه لا يجوز أن يسرّى إلا بما يلتذّ به عاجلا أو آجلا ، سواء / أثبتناه معنى مفردا أو جعلناه من قبيل الاعتقاد ، لأن في الوجهين جميعا لا يصحّ إلا على من تصحّ عليه اللذة . ولذلك لا يصحّ أن يسرّ تعالى لمّا استحالت الملاذّ عليه ، « وإن » « 1 » كان لا يمتنع أن يلحق المعظّم بالتعظيم ضرب « 2 » من السرور يجرى مجرى اللذّة في تغيّر حاله عنده .
وتفصيل ذلك يطول إن تقصّيناه ، وسنذكره عند بيان الفصل بين الثواب وغيره .
وما أدّى إلى المنافع قد يكون على وجوه : منها ما يوجبه فيكون نفعا كالأسباب ، ومنها ما يؤدى إليه بالعادة التي لا تنتقض في الأظهر ، كالتجارات وطلب الرتب . ومن هذا القسم طلب الشبع بالأكل وما شاكله ، لأن ذلك يحصل عند الأكل بالعادة ، لا على جهة الإيجاب ، ولذلك تختلف أحوال الأحياء منّا فيه ، فهو في هذا الوجه بمنزلة الشكر الحادث عند الشرب ، وسائر ما قلنا فيه أنه غير موجب ومنها ما يكون نفعا بأن يستحقّ به اللذّة ، ثم هو على ضربين : أحدهما لا يكون كذلك إلا من فعل المستحقّ نحو تحمّل المشقّة في التكليف ؛ لأنه لا يستحقّ به المدح والثواب إلا إذا كان من فعله .
والثاني لا يكون كذلك إلا من فعل المستحقّ عليه ، نحو الآلام التي يستحق بها الأعواض .
وقد يحصل في الشاهد كلا القسمين مما يجرى مجرى العوض ؛ لأن من يستعمله في العمل
هامش
( 1 ) في الأصل : « فإن » .
( 2 ) في الأصل : « ضربا » .