من بعد ، وإلّا شبه من قال : إنه لا بد من تقدّم التكليف أولا وذلك أيضا مما نذكره من بعد .
فصل في بيان المنفعة واللذّة وما يتّصل بذلك
قد بينّا من قبل في ذلك جملة كافية ، ونعيد طرفا منها لحاجة الموضع إليها :
إن أصل المنافع هو الملاذّ . ولذلك يستحيل الانتفاع على من تستحيل اللذّة عليه .
وكون الملتذّ ملتذّا يتبع كونه مدركا لما يشتهيه ، لأنه لو أدرك الشيء ولمّا يشتهيه « 1 » لم يلتذّ به / على ما بينّاه من قبل . فإذا صح ذلك وجب كون اللذة تابعا للشهوة وللإدراك .
وقد علمت أن العاقل قد يؤثر كثير الملاذّ آجلا على يسيرها عاجلا ، بل قد يستحسن تحمّل المشقّة لملاذّ عظيمة في المستقبل ؛ فلو لا أن ذلك منافع لم يكن ليؤثره على النفع الحاضر القليل ، ولا « 2 » كان يتحمل المضرة لأجله ، فلذلك جعلنا ما يؤدى إلى الملاذّ نفعا ، وألحقناه باللذّة الحاضرة ، وإذا جاز في اللذة أن تكون ضررا إذا أعقبت مضرة عظيمة ، نحو تناول الخبيص المسموم الّذي يعد مطعمه مسيئا ، فما الّذي ينكر من القول بأن المشقة تكون نفعا إذا أدت « 3 » إلى نفع عظيم ، ولولا أن الأمر على ما ذكرناه لم يكن القديم تعالى بالتكليف نافعا ؛ ولا بالآلام التي يستحق بها الأعواض ، وإنما يصح القول بأنه منعم بذلك على الأصل الّذي بيناه ، ولذلك يستحسن العقلاء تعريض أولادهم بإلزام المشاق للرتب العالية ، والمنازل الرفيعة ، ويعدّون ذلك من أعظم النعم .
هامش
( 1 ) في الأصل : « يشتهيه » والصواب ما أثبت لأن ( لما ) جازمة
( 2 ) في الأصل : « إلا »
( 3 ) في الأصل : « أدرك » .