تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
قيل له : إنما يجب ذلك متى خلق حواسّه وخلق فيه الشهوة لنيل ما يدرك بها ، فأمّا إذا لم يخلق الشهوة فيه فذلك غير واجب . ولا يبعد أن يقال : إنه لا يحسن منه خلق الحواسّ إلّا بأن يتضمن خلق الشهوة لنيل المدركات بها متى لم يكن مكلّفا وإلا فخلقه لها في حكم العابث ، فلذلك يجب أن يخلق فيه شهوة الإدراك بها على ما قدمنا القول فيه . وليس لأحد أن يقول : إنه تعالى متى خلق الحىّ بالصفة التي ذكرتموها كان منتقصا عن تمام غيره ، فلا يحسن ذلك إلّا لغرض يتعلق بالتكليف على ما ذكرتموه في الأفعال التي ليست بمحكمة عند ذكر الدلالة على أنه تعالى عالم ، وذلك لأن هذا الانتقاص إذا لم يشعر به الحىّ ولم يفصل بينه وبين التمام لم يجب فيه العوض . وإنما قلنا ، إنه تعالى إذا خلق المنتقص الخلق فلا بد من تعويض إذا كان عالما بتمام خلقة غيره ، فيلحقه الغمّ بما هو عليه من النقص ، ويجرى ذلك مجرى الأمراض فلا يحسن إلا التعويض . فأما إذا كان الحال / في الحىّ ما وصفناه فذلك غير واجب فيه . وليس لأحد أن يقول : إن خلق الحىّ على هذا الوجه لا يحسن ، لأنه لا يعرف موضع اللذّة من لم يجرّب الألم ، ولا موقع المنفعة من لم تنله مضرّة ، وذلك يوجب القول بأنه تعالى لا بد من أن يخلق أوّلا الحي على صفة المكلّف والمعوّض ، وذلك لأن الملتذّ قد ينتفع ويلتذّ بما يناله ، عرف الألم أو لم يعرفه ؛ لأن الالتذاذ بذلك يرجع إلى كونه مدركا لما يشتهيه ، تقدّمت الآلام أم لا . وإنما نقول فيمن عرف الألم : إنه أقرب إلى معرفة موقع اللذة ، لا أنا نجعل له في كونه ملتذّا مزيّة . فإذا صح ذلك وكان الحىّ الّذي صفته ما ذكرناه يلتذّ عند نيله ما يشتهيه ، فيجب كونه تعالى منعما عليه ، وإن لم يبلغ حاله حال من جرّب الأمور والأحوال ، وعرف فصل ما بين الألم واللذة . ولا يمكن بعد ما أوردناه إلا إيراد أسئلة « 1 » المخالفين لنا في الأصلح ، وذلك مما نبينه
هامش
( 1 ) جمع سؤال - بالضم والكسر - لغة في السؤال ، كما في القاموس .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 77 | القاضي عبد الجبار الهمذاني