تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
لا يصحّ إلّا مع التكليف . قيل له : إنما يجب ما ذكرته متى كان الحىّ عالما بأحوال الحواسّ ، وما يدرك بها ، أو يخطر ذلك بقلبه عند الخبر أو ما يجرى مجراه . فأمّا إذا لم يكن هذا حاله فغير ممتنع ألّا يلحقه الغمّ البتّة ، فيحسن خلقه متى كان مشتهيا للمس بعضه ببعض ، وملتذّا بذلك . ولا ينقض ذلك ما ألزمناه القائل بحاسّة سادسة يدرك بها ما يستحيل أن يدرك بهذه الحواسّ . من أنه كان يجب أن يجد أحدنا نقص نفسه ؛ لأنا بنينا ذلك على أنه كان يجب أن يكون أحدنا مجوّزا لذلك عند خطوره بالبال ، ووقوع الخلاف فيه والتنازع . فكان يجرى مجرى الأكمة الّذي يسمع بالخبر حال الحاسّة التي فقدها . وليس كذلك حال ما ذكرناه من الحي الّذي خلقه اللّه أوّلا . وذلك يبين أن الكلام مؤتلف غير مختلف . وليس لأحد أن يقول : يجب إذا صحّ من هذا الحىّ الانتفاع على غير هذا الوجه أن يكون خلقه تعالى لهذا الانتفاع فقط عبثا من بعض الوجوه ، فيقبح كما يقبح عندنا أن يخلق ما يصحّ أن يعتبر به وينتفع به عاجلا من أحد الوجهين على ما نقوله في باب الإباحة . وذلك لأن الّذي نعتمده في هذا الباب أن الفعل إذا صحّ أن ينتفع به من وجهين فخلقه مع المنع من الانتفاع من أحد الوجهين يحلّ محلّ فعلين ينتفع بهما مع المنع من الانتفاع بأحدهما في أنه في حكم العبث . وقد أوضحنا ذلك في غير موضع . وليس كذلك حال الحىّ الّذي ذكرناه الآن ؛ لأنه خلق على وجه / لا يصحّ أن ينتفع إلّا من وجه واحد فقط ، فلا يجب ما سأل عنه وإنما كان يجب ذلك لو صحّ منه الانتفاع من وجه ثان وهذا صفته وذلك متعذّر . وعلى هذا يبنى القول في أنه تعالى متى جعل الحىّ بصفة المكلّف فلا بدّ من أن يكلّفه على ما نوضحه من بعد . فإن قال : فيجب لو خلق هذا الحىّ صحيح الحواسّ ألا يصحّ منه تعالى أن يمنعه من الانتفاع ببعض حواسّه ، وأن يجب أن يلتذ بالإدراك لجميع « 1 » الحواسّ .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل . والأسوغ : بجميع .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 76 | القاضي عبد الجبار الهمذاني