يفعل له مكان يستقرّ عليه ؛ ليغنيه ذلك عن تسكينه حالا بعد حال .
قيل له : إن تسكينه مما لا يجب ؛ لأنه وإن هوى فقد يلتذّ متى كان حاله ما وصفناه ، كما يلتذّ إذا كان ساكنا ، وإنما خرج الهوىّ من أن يكون كالسكون فيما بيننا ؛ لأن الهاوى يخاف على نفسه . فأما إذا خرج عن هذه القضيّة فحاله كحال الساكن . فلو كان لا يلتذّ إلّا بأن يسكّن حالا بعد حال ، لكان تسكينه أولى من خلق مكان له ؛ لأنه لا بد إذا خلق له مكان من أن يسكّن حالا بعد حال ليصحّ أن يستقرّ عليه ، فإذا كان الغرض بالمكان استقراره فقط ، وبتسكينه حالا بعد حال [ أن ] يستقرّ ، فلا وجه إذا لخلق المكان ، وإنما يحتاج إلى المكان ليتصرّف عليه ، وقد بنينا الكلام على أن هذا الحىّ غير قادر ، فلا وجه لخلق المكان لأجل هذا المعنى .
فأما قول من قال : إنه لا بدّ من أن يخلق تعالى مع الأحياء السماء التي تظلّ ، والأرض التي تقلّ ، ويجرى الهواء في الجوّ ، إلى ما شاكل ذلك ، فما قدّمناه قد أبطل ذلك ، إلّا أن يريد بأنه إذا أراد تكامل النفع فلا بدّ من خلق ذلك . فأمّا إذا كان القول في أقلّ ما يحسن منه تعالى أن يخلق فلا وجه لما ذكره ؛ لأن ما قدمناه يكفى في التذاذ الحىّ ، وإن فقد ما قاله . ولو وجد جميع ما ذكره وعدمت الشهوة لم يلتذّ الحىّ . ولهذه الجملة نقول : إنه سبحانه لو خلق جميع ما خلقه أحياء صفتهم ما ذكرناه ، ولم يخلق سواهم ، وسوى شهواتهم لحسن ذلك . فلا وجه لقول من قال : إنه لا يحسن منه تعالى خلق الأحياء من دون خلق الجماد ؛ كما لا يحسن منه خلق الجماد من دون الأحياء . وقد بينّا أن الّذي له يقبح خلق الجماد مفردا منه تعالى أنه عبث لا فائدة فيه ؛ وليس كذلك لو خلق الحي من دون الجماد ؛ فلا نسبة بين الأمرين .
فإن قيل : يجب إذا خلقه ، ولم يخلق له كل الحواس التي يدرك بها ، أن يكون منقوصا ، وأن يلحقه الغم بذلك ، فلا يحسن / خلقه كذلك إلا على وجه التعويض الّذي
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 75
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٥